الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الخميس 18 أكتوبر 2018, 0:14 ص

نقاشات


القيم الإنسانية وتأثيرها


2018-05-17 1:07 AM     

عايض الميلبي

هناك من لديه عقيدة راسخة، وقناعات ثابتة، وعادات سامية، وخطوط حمراء، تجعله متزنا أينما كان، لا يميل حيث تميل الرياح، ولا تجرفه الشهوات والملذات، ولا تبدله المتغيرات المكانية والزمانية، لو سار الجميع في طريق واحد وهو غير مقتنع به، لا يجاريهم، ولا يجاملهم، ولا يخشى ردة فعلهم، بل يسلك ما يرى أنه يوصله لبر الأمان، وغالبا مثل هذا الإنسان يراقب خالقه، ولا يراقب الناس، ولديه حكمة، وعقل يميز الخطأ من الصواب، والأهم عزيمة، وإرادة تمكنانه من كبح جماح هوى النفس، ودائما تكون الغلبة للمنطق، والعقل، وليس للعاطفة، والمشاعر الجياشة، وفي هذا الجانب تبرز ثقافة الفرد، وأسلوب تربيته، وبيئته التي عاش في كنفها، وجيناته الوراثية التي عكست على شخصيته ما لدى أسرته وأسلافه من طبائع، وصفات، وميول.
بموازاة ما سلف ثمة شخص لا يبالي، ولا يهتم بعواقب أفعاله، رادعه الخوف، والعقوبة، وإذا أمن، فكل شيء بالنسبة له مباح، تراه في أحد المواقف عاقلا يتدثر ثوب الصلاح، وفي موقف آخر يفعل ما لم يخطر على بالك، تناقض صارخ، وبون كبير، وتلون واضح، حسب درجة الخوف، والبيئة، والظروف، وبمعنى آخر هو إنسان طبيعي في حالة الخوف، ومتمرد جدا في حالة الأمن، وحتى في تعاملاته اليومية تلاحظ أنه يقدر الأشخاص الذين يخشى ردة فعلهم القاسية تجاهه، ويبدو حملا وديعا أمامهم، وأسدا ضاريا في وجه من يحترمه، أو يجامله، أو يعامله بإنسانية، مثل هذا ليس لديه أساس ثابت، ولم يتلق بالأحرى تربية صالحة، ولعله تأثر بمجتمع سيئ، على أثره بات يعامل الناس من ذلك المنطلق، ويرى الجميع بعين الحقد والكره، وعدم الصلاح، وسوء الظن يقدمه على كل تصرف ولو كان طبيعيا، ودائما يرى ما يفعله حقا، وما يفعل غيره باطلا، مقتنع بصحة تصرفاته، لو نصحته ليل نهار لن تجد استجابة تذكر، وكأن عقله أُغلق على نمط معين، غير قابل للتعديل، مفاهيم الغدر، والخيانة، يستقبحها ويشجبها إذا سمع عنها، أو فعلها غيره، بيد أنه يبررها إذا صدرت منه شخصيا، ويرى أن ما يفعله مجرد ردة فعل مشروعة.
ختاما، نستطيع القول: إن الإنسان الذي لديه منظومة قيم تحكمه في السر والعلن، وفي الشدة والرخاء، وفي الخوف والأمن، هو من يستحق أن تحرص على صداقته والقرب منه، لأنك تأمن جانبه، وتعرف حدوده، وتطمئن لمستقبل علاقتك معه، أما ذاك المتلون الذي إن وجد المحسن تظاهر له بالإحسان، وإذا رافق المسيء فعل فعله دون حياء، فابتعد عنه قبل أن تذوق مرارة كأسه، وخبث تصرفه، فهو لن يصمد طويلا في ممارسة تمثيل دور الفاضل، بل حتما سترى وجهه القبيح مع أول موقف يطرأ، أو اختبار يتطلب حكمة وصبرا، وصدق من قال: «الطبع غلب التطبع».

Instagram
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.