الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

سنن تونس حذو القذة بالقذة

لا يثق بأحد غير صوته في صندوق انتخابات نزيهة يصر عليه، مهووس بالخوف على ثورته من السرقة من قبل بقايا النظام، أو محترفي السياسة، أو جنرالات الجيش الطموحين، لذلك يبقى في الشارع متظاهرا متوثبا حتى بعد سقوط النظام ليحمي ثورته

بينما نعيش أحداث التحول الهائل في مصر، ونراقب تفاصيله يمكن رسم خريطة طريق لهذا التحول تسمى "النموذج التونسي".. إنه نموذج واضح المعالم، لم يخب حدس المراقب وهو يراه يطبق في مصر من قبل "النظام" والشعب معا.
بطل هذا النموذج هو الشارع، بل يمكن أن نختصره إلى واحد من مكوناته، شاب غاضب لا يعرف أحدا هويته، في منتصف العمر، متعلم ولكنه عاطل عن العمل، أو يعمل في غير ما يتمنى ويطمح، يجيد التواصل مع شبكات الإنترنت الاجتماعية، غير المؤدلجة، وإن كان نحا بتوجهه جانبا في هذه اللحظة التاريخية كما يراها، واع أن تكون حركته للوطن، اختصر مطالبه في جملة واحدة "الحكم الراشد" يريد حياة أفضل وعدالة، لا يرفع شعارا غير ذلك، غير معني في هذه اللحظة بالإمبريالية العالمية، أو الولايات المتحدة، لم يرفع مظلمة فلسطين أو العراق، معني فقط بمظلمته وكرامته، متعلق فقط بوطنه وإدراكه أنه ضمن تحرك عربي واسع يستمد منه القوة. هذا الشاب أو المجموعة التي لا تحمل وجها محددا، هي التي تحدد موعد "الغضب" في لحظة تاريخية تدركها هي وحدها، يكون مؤشر الخوف في مجموعها قد انخفض ليقترب من مؤشر القهر الصاعد، وعندما يلتقيان تكون لحظة الغضب التاريخية.
حينها، وعندما يخرج إلى الشارع يكون غير مستعد لأنصاف الحلول، لا يطرح مطالب جزئية معيشية، لقد فقد الثقة بالنظام بالكامل ويريد إسقاطه يصرخ بوضوح "الشعب يريد إسقاط النظام".
تصوره للمستقبل هو الديموقراطية في مفهومها الغربي الناجح، الحرية، تداول السلطة، العدالة، لا يثق بغير الانتخابات النزيهة كأداة لتشكيل الحكومة التي يريد في المستقبل.
اختزنت عنده كل نكسات العرب وإحباطاتهم، لن يرضَى بضابط صغير في الجيش يخرج عليه بانقلاب يسميه ثورة، ويريد أن يكون الزعيم هو و"مجلس قيادة الثورة" هو، لقد جرب هذا من قبل ورأى الفشل الماحق، وبالتالي لن يقبل بجنرال كهل تذكر في آخر 5 دقائق مسؤوليته التاريخية فخرج يعده بالتغيير و "ثورة التصحيح".
لقد رأى ذلك وجربه، صدق جنرالا تحول إلى ديكتاتور.
لا يثق في زعيم حزب ديني أو سياسي، يريد أن يختزل الثورة في حزبه، أقصى ما سيمنحه له هو حقه في أن يتمثل في الثورة، والمشاركة في الانتخابات القادمـة.
لا يوجد زعيم تاريخي يحمله على الأكتاف، انتهى الزعماء التاريخيون الذين قادوا بلادهم للاستقلال دون الحرية، لا يثق بأحد غير صوته في صندوق انتخابات نزيهة يصر عليه، مهووس بالخوف على ثورته من السرقة من قبل بقايا النظام، أو محترفي السياسة، أو جنرالات الجيش الطموحين، لذلك يبقى في الشارع متظاهرا متوثبا حتى بعد سقوط النظام ليحمي ثورته، فهو يعلم أنه لو فقد المبادرة فلن يستعيدها مرة أخرى، ولذلك يصر باستمرار ورغم كل التنازلات على "إزالة" النظام بالكامل.
رأينا هذا ولا نزال في تونس وسنراه يتكرر في مصر لعدة أسابيع قادمة.
بعد أن يسقط رأس النظام، سيخرج للمطالبة بسقوط توابعه، أركانه الصغيرة والكبيرة، مستعد أن يقبل بشباب مجهولين في الوزارة القادمة ولن يقبل بخبراء النظام السابق الذين تكررت وجوههم عليه يدخلون ويخرجون في دوائره ومؤسساته، بل سيمضي بعد ذلك في ثورات صغيرة تطالب بالتغيير في كافة مؤسسات المجتمع من نقابات أو اتحادات طلابية وعمالية، إنه لا يحتمل الوجوه القديمة التي جاملت النظام السابق أو ارتقت إلى هرم المؤسسة من خلال الحزب الحاكم، بالطبع لن يسمح لهذا الحزب بأي دور في المستقبل، فهو يمثل له جور النظام الذي احتكر كل شيء وجعل سبل الترقي والارتزاق لا تمر إلا عبره.
النظام هو الآخر يستن بالنموذج التونسي حذو القذة، في خط متواز مع حركة الشعب.
في البداية يرفض الاعتراف بالمقاربة مع الحالة التونسية "نظامنا قريب من الشعب.. لسنا تونس" تذكروا هذه الجملة سيقولها مسؤول عربي آخر خلال أيام قادمة.
النموذج التونسي يقول في البداية، يتجاهل النظام ما يحصل، رمز النظام "الزعيم" لا يظهر على التلفزيون حتى "لا يرف جفنه"، خبراء الأمن يقولون له إذا ما رأى الشارع "رفة الجفن" هذه؛ سيكون مثل الوحش المفترس الذي شم رائحة الخوف، فتزداد توقعاته ومطالبه، ولكن رأس النظام لابد أن يرف جفنه.
يخرج متأخرا يخاطب شعبه، يحاول أن يكون متماسكا، صلبا، مهابا، يقدم وعودا بالإصلاح، وأنه فهم أو وعى مطالب الشعب، أوووه، هذه لحظة رفة الجفن، لقد تأخر الزعيم، لو قدم وعوده هذه قبل عام أو شهر، لهرع إليه زعماء الأحزاب التقليديون ليمارسوا لعبة المطالبة والمغالبة، ولكن اليوم ليسوا هم القادة، إنه ذلك الشاب الذي لا نعرفه وهو لا يجيد السياسة.
يستمر الشاب يصرخ ومن حوله مليون شاب مثله يصرخون "الشعب يريد إسقاط النظام".
يستمر النظام في تتبع سنة النموذج التونسي، مزيد من الوعود بالإصلاح، والوظائف، رفع الرواتب، المناورة بالجيش، استخدام الإعلام، ترويع المواطنين لعلهم يدركون قيمة الأمن الذي سينهب بعد سقوط النظام.
لا يتعلم أحد من سنن الله، النتيجة ينتصر الشعب والحرية ولكن بعد دفع ثمنها.
يختم الشاب القصة بتصريح لقناة فضائية "نعم لقد خسرنا الكثير، ولكن هذه الخسارة أقل مما كان الوطن سيخسره لو استمر النظام عاما آخر".

جمال أحمد خاشقجي        2011-02-02 4:17 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 29 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • هذة ثورة شعوب مغلوبة على أمرها وهذة حركة تحرر من الظلم والفقر والجهل والبطالة والتسطيح وتكميم الأفواة وقد جاءت ولحسن حضها في زمن البث المباشر والأنتر نت والفيس بوك والعالم يشوف ويراقب كل ما يحدث رغم التعتيم الغير مبرر الذي انعكس على الساحر . نحمد ربناء نحن في الخليج نختلف عن إخواننا العرب في بقية الأقطار فلدينا مساحة من التعبير المسول ورغد في العيش وللة الحمد إلاأن هاجس البطالة هو الذي يؤرق تفكير الشباب لكن الحلول قريبة. حمد الصميلي
  • تلاحظ ان كاتب السيناريو - الحاكم - موجود في كل الدول العربيه… اخي الكريم،، بإمكان الحاكم العربي ان يكتب سيناريو اخر لمسلسل جديد - إذا اراد - اسمه " استمرار حكم الحاكم العربي بدعم شعبه " وذلك بالبدء بردم الفجوه التي خلقها بينه وبين شعبه و ستكون قصة المسلسل جداً رائعه و ممتعه في نفس الوقت … عليه تنفيذ السيناريو الجديد قبل ان يقع الفأس بالرأس……. تحياتي  يزيد العساف - تكلمة
  • استاذي الفاضل جمال خاشقجي … ابدعت واحزنت معاً في هذه المقاله الواقعيه، هذه الفجوة اللعينه التي يزرعها الحاكم بينه وبين شعبه خلال توليه الحكم - الا من رحم الله - هي السبب الرئيسي في النهايه في اسقاطه…إن ما ذكرته هنا هو ترجمة لغة الواقع الى لغتنا العربيه المفهومه. استاذي الكريم… الواقع يقول اننا نشاهد مسلسل اسمه - اسقاط الحاكم العربي من قبل شعبه - كانت حلقته الاولى بعنوان صدام العراقي والحلقه الثانيه ابن علي التونسي والآن نشاهد الحلقه الثالثه محمد المصري وهلّما جرّى. …تلاحظ ان كاتب السينا يزيد العساف
  • يجب ان تحثهم على السلمية ويجب على ولي الامر ان يستمع لمطالبهم إن كانت مقبولة فيجب ان ينفذها وإن كانت غير ذلك فيأمرهم بالرجوع ولو اظطر لردهم بالقوة كل هذا يجب ان يكون بالمنهج الشرعي السمح الواضح وديموقراطيتك خلها عندك . ولو كنت مؤمن بدينك وشمولة وكفايتة كما هو بلا عصرنة فأبحث في الشرع متبعاً العلم الصحيح والمنهج القويم .
  • شي عجيب ان يتحالف الذي يزعم التدين مع الاستبداد من حق اي انسان ان يعبر عن رايه
  • هل فكر هؤلاء الشباب الخارجين عن النظام في وحدة مصر ولُحمتها دون تفكك وتقسيم مثل جارتها السودان وتكون مصر الموحدة أمصارًا !؟ المنطق
  • ايها المفكر لو اتيح لولايات امريكا ان تنفصل لإنفصل اكثرها نعرف ان تكساس تحاول كثير غيرها وقد تم مسح خوارج تكساس امريكا بالطائرا وكل القنابل ؟؟؟ كل المتظاهرين اللذين تظاهرو في الدول الديموقراطية ضد ما يريدة الساسة هناك لم يُلتفت لة وزعوا عليهم موية وخرجوا لهم بكم خطاب ورجعوا لبيوتهم لم يحققو إللا خيبة الأمل
  • اينما سرت جدول كرم ... ورجالي لو انصفوهم لسادوا من كهول ملء العيون ومرد.. لو اصابوا لهم مجالا لابدوا ... معجزات الذكاء فى كل قصد .. انا ان قدر الاله مماتي .. لاترى الشرق يرفع الراس بعدي.. ما رمانى رام و راح سليما .. من قديم عناية الله جندي .. كم بغت دولة على وجارت ... ثم زالت وتلك عقبى التعدي .. قل لمن انكروا مفاخر قومي .. مثل ما انكروا ماثر ولدي .. مثل ما انكروا ماثر ولدي .. هل وفقتم بقمة الهرم الاكبر؟ .. يوما فرايتم بعض جهدى ؟ .. استبينوا قصد السبيل وجدوا .. استبينوا قصد السبيل وجدوا .. ف مصر تتحدث عن نفسها
  • وقف الخلق ينظرون جميعا ... كيف ابني قواعد المجد وحدي وبناة الاهرام فى سالف الدهر ... كفونى الكلام عند التحدي انا تاج العلاء فى مفرق الشرق ... ودراته فرائد عقدي اى شئ فى الغرب قد بهر الناس ... جمالا ولم يكن منه عندي .. فترابي تبر ونهرى فرات .. وسمائي مصقولة كالفرند مصر تتحدث عن نفسها
  • للسيطرة على خروج الشباب في مصر فلا مناص من أن يقوم المؤيدين للنظام من أباء وأمهات بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . المنطق
  • اي مطالب هذا سلب ونهب تحت مسمى الحرية شباب بلطجية اذا هم ودهم حق ليه يسرقوا بيوت الناس الامنة بدون وجه حق؟ بدر الجنوب
  • لقد مبارك مع ابناء القوات المسلحة في حرب اكتوبر 1973 ... وكان قائد الضربة الجوية ضد العدو الاسرائيلي الغاشم ... وعبر قناة السويس وحطموا خط بارليف ورووا بدمائهم الذكية ارض سيناء الحبيبة الى ان انتصر الجيش المصري العظيم واسترددنا سيناء ... كل ذلك في وقت كنا ما زلنا في ارحام امهاتنا ابراهيم المصري
  • مبارك ابن قواتنا المسلحة الباسلة التي هزمت اليهود في حرب العاشر من رمضان 1973 ... قائد الضربة الجوية ضد العدو الاسرائيلي ... عبرت قوانتا المسلحة الباسلة ومعها الرئيس مبارك قناة السويس وحطموا خط بارليف اقوى حصن في العالم في ذلك الوقت ... حفظ الله مصر قلب العروبة النابض وحفظ شعبها العظيم وحفظ كل بلاد المسلمين علي المصري
  • نعم لمبارك ابن مصر العظيمة ... نعم لمبارك ابن قواتنا المسلحة التي عبرت قناة السويس وحطموا خط بارليف وهزموا الجيش الصهيوني ... نعم لمباك صاحب اول ضربة جوية ضد العدو الصهيوني في حرب 73 .. نعم لمبارك الذي رفض القواعد العسكرية على ارض مصر ... دور مصر ومبارك لا ينسى في حرب العراق والخليج ... نعم للتغيير نعم لتعديل الدستور ... وبحبك يا مصر مصري
  • مصر بلد عظيم بناسة وشبابة شيوخة وابنائة , كان هناك سيناريوا كبير اثبت تلاحم الشعب مع وطنة , اثبت المصريين انهم شعب عاطفي من الطراز الاول . لا يريد اهل مصر شياءا سوى الحياة الكريمة ودحض البلطجية . عاشت مصر بحاكمها الحكيم الرجل الشجاع , بطموح شبابها الصادق . لنرى مصر جديدة تبنى وتكون في مصاف الدول الاولى . حمى الله مصر . عبدالله ال قاضي
  • اهلا بفارس الكلمة اهلا بمدرسة الصحافة جمال خاشقجي الذي افتقدناه كثيرا كنت اتوقع منك مزيدا من الجرأة وتوقعاتك في انتقال ذلك الى دول عربية اخرى وصدقني نحن في ربيع لابد من استغلاله للتحرر والاستفادة من ثرواتنا . محمد بن زينان
  • وجهة نظر: أنا أنظر للامر من ناحية أخرى ولاننا شعوب عاطفية في ردود أفعالنا نسينا مايسمى بالشرق الاوسط الجديد الذي هو نتاج أمريكي صهيوني لتسهيل السيطره على مقدرات الشعوب بدأ من العراق وتقسيماته الثلاث الى السودان وشطره بالنصف ومايحدث الآن في كل من تونس ومصر والجزائر ..الخ لتعرف الصوره أكثر أقرأ عن الشرق الاوسط الجديد. الأشعس
  • مقال عادي جداجدا نحن لانريد المقالات التي تكرر نفسها بالذات من الكاتب الخبير نتمنى لمصر الأمن والأمان وأدامه الله علينا فهدالعسيري
  • بارك الله فيك, فقد كان مقالك بالغ اللتعبير عما يجيش فى القلوب. ولكن أتراه عمى البصيرة أو طول الأمل الذي جبل عليه الإنسان هو ما يغلق قلوب البعض عن الانصياع للحق قبل فوات الأوان. أعتقد ذلك, حمى الله مصر وتونس من كل سوء. زاهي عباس
  • (((( نعم لقد خسرنا الكثير،... الخ )) طول عمر العرب خسرانين . رائـــــــــــــــــــــدة
  • مقال رائع. Nadir
  • "الشعب يريد إسقاط النظام" سيذكر تاريخ تونس هذه الجملة هشام
  • مقال رائع حسام أندجاني
  • مقال جميل ورب الكعبة ,واقعي ,صريح وشفاف وهذا ديدن الكاتب المتمكن الذي يستقري الاحداث ويتنباء بالمستقبل وفي نفس الوقت يخاف على وطنه وشعبه من عواقب الامور,ولكن لقد اسمعت لونادية حيا ولكن لاحية لمن تنادي بن سارية
  • استاذ جمال تحية من الاعماق لك على هذا المقال المعبر عما يجيش في صدور الناس وخاصة الشباب . abu ali

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال