الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الإجهاد ليس عدونا

كم مرةً تتعمّد الضغط على نفسك بشكل يخرجها من نطاق راحتها؟
أعلم أن سؤالي يبدو غريبا، ولكن هناك سببا وراءه: إجهاد نفسك هو الوسيلة الوحيدة المنهجية لتصبح أقوى جسديا وعاطفيا وفكريا وروحيا، بل إنك ستضعف إذا لم تُخضعها للإجهاد.
نتوهم في حياتنا أن الإجهاد عدُوّ لنا، ولكن في الحقيقة العدوّ الحقيقي هو فشلنا في الحصول على فواصل من الراحة لوقت كافٍ، نوازن خلاله بين الإجهاد الذي نحتاج إليه والراحة التي نحتاج إليها.
فأنت إذا لم تُخضع جسدك للضغط سيضعف ويضمر، وستفوتك فرصة التعرف على مقدراتك الكامنة.
ولكن في المقابل أيضا، إذا أجهدت نفسك إجهادا مزمنا فترة طويلة، دون الحصول على قدر كافٍ من الراحة والنوم العميق الكافي لاستعادة النشاط، ستكون النتيجة إنهاك جسدك وتدميره. من السهل ملاحظة هذا على المستوى الجسماني.
ففي غياب تمرين منتظم ينشّط القلب والأوعية الدموية، مثل تمارين الآيروبك، تتناقص قدرة القلب على ضخ الدم بكفاءة، فتنخفض بمعدل 1% سنويا في عمر 30 -70 عاما، ثم تنخفض بسرعة أكبر بعد ذلك.
كذلك يؤدي تكاسلنا عن القيام بتمارين القوة، أو ما يعرف أيضا بتمارين الحديد، إلى خسارتنا 1% من كتلة العضل الصافي في الجسم كل سنة بعد سن الثلاثين.
على أن هذه التأثيرات يمكن عكسها حتى ولو في مرحلة متقدمة من العمر. أُثبت هذا في سلسلة من الدراسات، خضع لها مجموعة من نزلاء أحد دور العجزة، متوسط أعمارهم 87 عاما، في برنامج تمارين قوة تستغرق كل جلسة من جلساته 45 دقيقة، وذلك لـ3 أيام في الأسبوع، بحيث يحصلون على قدر كافٍ من الراحة بين جلسات التمارين.
والنتيجة كانت أن قوتهم ازدادت بأكثر من الضعف في غضون 10 أسابيع فقط.
قد يبدو المبدأ بسيطا، ولكنه ليس بدهيا بالكامل، فكلما دفعت نفسك أكثر وعرّضتها للمشقة، فإنك توعز إلى جسدك كي ينمو، وهذا النمو يحدث خلال فترة الاستراحة، ويسمى «المكافأة الكبرى»، أما ما يمكن أن يحدّ من نموك، فلا شيء إلا مدى المشقة التي يمكنك احتمالها. وهنا تبرز أهمية التركيز، والذي هو أساس الأداء العالي.
لسوء الحظ، عقولنا لها عقول تفكر بها، ولهذا تراها تحلّق من فكرة إلى أخرى. ويزيد من صعوبة قدرتنا على التركيز وجودنا في هذا العصر الرقمي، إذ التركيز فيه أصلا صعب، فلم يحصل أن كان الإنسان مجبرا على مجابهة هذا الكم الهائل من الإلهاءات المغرية كما هو الحال اليوم.
لهذا، عقلك يحتاج إلى التمرين، وهذا يكون بنفس أسلوب تدريب جسدك.  مثلاً، عند التركيز على أمر واحد فترة محددة من الوقت، كعدّ دقات قلبك، أو القيام بعمل شاق، أو قراءة كتاب صعب، فأنت تُخضع تركيزك للإجهاد. والصعوبة في التركيز تظهر عندما يبدأ عقلك بمحاولة حثّك على التفكير في أمور أخرى تشتت تركيزك.
وهنا يكون التمرين الحقيقي قد بدأ، والذي ستتعلم خلاله كيف تتحكم في تركيزك.
بالنسبة لي تعدّ كتابة مقالةٍ في هذه المدونة، نوعا من التدريب الذي أرغم نفسي طوعيا على الخضوع له بضع ساعات كل أسبوع.
فكتابة مقالةٍ يتطلب مني التفكير العميق والبحث في موضوع يهمّني، ثم وضع أفكاري في عبارات سهلة وبسيطة ومتماسكة، تعبّر تماماً عمّا أريد قوله. بالطبع، تُبدي نفسي عادةً مقاومة لهذا النوع من الإجهاد، ولأتغلب عليها أُلزم نفسي بالكتابة في وقت محدد، ولـ90 دقيقة متواصلة قبل أن آخذ أي استراحة.
إلا أنّ التفكير العميق أمرٌ محبطٌ وصعب التحقيق، خاصة في بداية الجلسة، حيث أجد نفسي تحثني على التوقف عن التفكير، والذهاب إلى أكل شيء، أو تفقد بريدي، أو الانشغال بأي شيء آخر غير الكتابة.
لا أنكر أنّ هذه المغريات قد تتمكن مني في بعض الأحيان، إلا أنني في الغالب أنجح في التغلب عليها، خاصة عندما أستذكر أن بقائي مركّزاً على المهمة التي بين يدي أنفع لي، وسيشعرني بقيمتي وإنتاجيتي أكثر بكثير، مما لو تركتها واتجهت إلى أداء أمور يومية تافهة، سأجد وقتا لها لاحقا بأية حال.
كما أننا بعد إكمالنا عملا يتطلب جهدا، أو تدريبا شاقا، أو الانتهاء من قراءة كتاب صعب، سنستمتع بوقت راحتنا أكثر، لمعرفتنا أننا نستمتع بوقت نحن بحاجة إليه لنجدد طاقتنا، نلناه عن جدارة واستحقاق بعد تعب.
إنّ أفضل وصفة تجعلك تشعر بأن لحياتك معنى، هي خلال رفع ذروة عطائك، عن طريق المزاوجة بين بذل جهد كبير تتبعه راحة كافية تكفي لتجديد حيويتك.
طوني شوارتز
* الرئيس التنفيذي لمشروع The Energy Project وصاحب كتاب «كن متفوقا في أي شيء»
 * مجلة هارفارد بزنس ريفيو

.        2019-01-02 11:03 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال