الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

‫تدريس القانون تعزيز لثقافة حقوق الإنسان

تكتسب قضية تثقيف المجتمع بمبادئ حقوق الإنسان أهمية كبرى، لا سيما في هذا العصر الذي أصبح فيه العالم قرية صغيرة، تؤثر كل دولة فيه على محيطها، وتتأثر به، سلبا وإيجابا، كما أن معرفة أفراد المجتمع بحقوقهم وواجباتهم تؤدي دون شك إلى معرفتهم بما لهم وما عليهم، إضافة إلى غرس الشعور بالمسؤولية تجاه حقوق الأفراد والمصالح العامة، وهو ما يؤدي بدوره إلى تعزيز مشاعر الانتماء، والتعود على احترام الكرامة الإنسانية، والإيمان بقيم المسؤولية الاجتماعية والأخلاقية، وحث الجميع على تبادل الاحترام وزيادة التعاون والمساعدة الجماعية، والتأقلم مع حاجات بعضهم البعض وحقوقهم، كما يقودهم إلى قبول التعايش والحرص على التوصل إلى صيغ تشاركية مناسبة ومتجددة تضمن توازن المصالح، والعمل المشترك لتحقيق الصالح العام، والنأي عن اللجوء إلى أي من أساليب العنف التي تصادر حريات الناس جميعا، وتتسبب في إحداث فتن داخلية وإيجاد حالة من عدم الاستقرار.
لذلك كله، استبشر المجتمع السعودي بالخطوة التي خطتها وزارة التعليم بإدراج مادة مبادئ القانون لطلاب المرحلة الثانوية (مقررات) بدءا من الفصل الدراسي المقبل، وهو القرار الذي يتوافق مع مبادئ الدين الإسلامي الحنيف الذي ركز في كثير من آياته على تعزيز تلك المفاهيم، مؤكدا تكريم الله -عز وجل- للإنسان على كثير ممن خلق، وتحريم الاعتداء على ماله وعرضه ودمه، كما يتوافق تماما مع مضامين رؤية المملكة 2030، التي نادت صراحة في كثير من بنودها بتطوير المجتمع، وزيادة تعريف أفراده بثقافة الحق والواجب، وهذا التوجه الحكيم لن يكون قادرا على تحقيق أهدافه وبلوغ غاياته، إذا ما اقتصر نظر أبنائنا على ثقافة حقوق الإنسان على أنها مجرد مادة دراسية، بل ينبغي التعامل معها على أنها رسالة حضارية وثقافية، لا يكفي فقط اجتيازها وتحقيق النجاح فيها، بل من الأهمية استيعابها وفهم كافة ما ورد فيها، وهذه مهمة ينبغي أن تشارك فيها -إضافة إلى وزارة التعليم وإدارات التعليم التابعة لها- كل فئات ومؤسسات المجتمع المدني، ووسائل الإعلام بمختلف أنواعها، إضافة إلى المساجد والمؤسسات الدينية، حتى نستطيع الوصول إلى المرحلة التي نجزم فيها أن هذه الثقافة الأصيلة قد وصلت إلى كافة صور حياتنا العملية، ونفذت إلى جميع أوجه الممارسات الشخصية والمهنية والثقافية والاجتماعية والمدنية.
من الضروري ملاحظة أن ذريعة انتهاك حقوق الإنسان ظلت هي المنفذ الذي تحاول عبره بعض المنظمات الدولية النيل من بلادنا، لتحقيق أهداف هي أبعد ما تكون عن الإنسانية، بل حاولت تلك الجهات استخدامها كأداة لبلوغ أهدافها، وربما كان غياب التأصيل الحقيقي الفعلي لثقافة حقوق الإنسان هو الذي أغرى تلك المنظمات على المضي في مساعيها المتكررة، لذلك فإن القرار الأخير بإدراج هذا المقرر ضمن المناهج الدراسية من شأنه أن يعزز ثقافة الحقوق في المجتمع وانتشارها بين كافة الأفراد، إضافة إلى ضمان وجود أجيال مشبعة بالثقافة القانونية قادرة على تقديم صورة حضارية عن المملكة، من خلال الالتزام التام بحقوق الغير وعدم التعدي عليها. فضلا عن المساهمة في تنمية الشخصية الإنسانية وازدهارها بأبعادها المختلفة، عبر ترسيخ الإحساس بالكرامة والحرية والمساواة والعدل الاجتماعي.
كذلك فإن من الفوائد العديدة التي سوف تنتج حتما عن تعزيز ثقافة حقوق الإنسان في المجتمع زيادة وعي الجمهور، رجالا ونساء، بالحقوق والواجبات الأساسية، بما يسهم في تحويلها إلى حقيقة اجتماعية واقتصادية وثقافية وسياسية، ورفع قدرة المجتمع على الدفاع عنها، وصيانتها والنهوض بها على جميع المستويات.
ولا ينبغي تجاهل أن مراعاة حقوق الغير ومكتسباته هي أقصر الطرق إلى نبذ دعوات الإقصاء، وصيانة التعدد والتنوع الثقافي، وإثراء ثقافة الحوار والتسامح المتبادل ورفض التعصب، وإكساب المجتمع مناعة قوية ضد خطاب الكراهية.
كذلك من الضرورة بمكان الانتباه إلى أن خطوات التحديث التي شهدها مجتمعنا السعودي، لا سيما القرارات التي تصب في صالح تمكين المرأة، مثل السماح لها بقيادة السيارة، والانطلاق في مجالات العمل التجاري، تستلزم زيادة ثقافة أفراد المجتمع بحقوق الإنسان، وإيضاح أن العنف الأسري الذي تتعرض له بعض فئات المجتمع، لا سيما النساء، يتعارض مع مبادئ حقوق الإنسان، إضافة إلى نقطة أخرى في غاية الأهمية، وهي أن تعدد مصادر المعرفة الحديثة، مثل وسائل التواصل الاجتماعي وانتشار الفضائيات وثورة المعلومات، تتطلب تحصين المجتمعات العربية والمسلمة من محاولات التدليس والتزييف التي تمارسها بعض الجهات في إطار غزو ثقافي منظم، والزعم بوجود حريات وحقوق إضافية للإنسان، لم يرد ذكرها في أي من الكتب السماوية أو الأعراف أو التقاليد، وتتناقض في الوقت ذاته مع الفطرة السليمة، مثل الحرية الجنسية وحرية الشذوذ والحق في الإلحاد، وهذه المحاولات الهدامة تتطلب منا نشر الثقافة الصحيحة لحقوق الإنسان، ونبذ كافة ما يتعارض مع تعاليم ديننا وتقاليد مجتمعنا وقيمنا التي لا مساومة عليها.
الكرة باتت الآن -في تقديري الخاص- في ملعب مؤسسات المجتمع المدني والجمعيات المهتمة بصيانة وتعزيز حقوق الإنسان، للقيام بالواجبات المرجوة منها، وتكثيف جهودها في توعية المجتمع، ليس عبر وضع الملصقات الإعلانية التقليدية أو الإعلانات في الصحف ووسائل الإعلام، ولكن عبر خطوات وطرق غير تقليدية، بما يسهم في غرس هذه الثقافة في وجدان الناس وعقولهم، ولا بأس من الاستعانة بخبراء متخصصين في الحملات الإعلامية، بهدف لفت أنظار العامة، ومن ثم استغلال ذلك الاهتمام لبلوغ الأهداف.
وكذلك لا بد من استثمار العاطفة الدينية المتجذرة في الشعب السعودي، وأن يبذل أئمة المساجد والخطباء والدعاة جهودا للإسهام في تعزيز الثقافة الحقوقية، باعتبارها جزءا أصيلا من تراثنا الإسلامي الثري.
 

هادي اليامي        2018-12-26 10:36 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال
 

مقالات سابقة للكاتب