الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الخميس 21 مارس 2019, 9:13 م

نقد من لا يستطيع الرد على النقد

كان أكبر خطأ وقع فيه العلماء أثناء حادثة جهيمان وبعدها، هو الموقف السلبي والهامشي الذي أشبه عدم المبالاة

تأتيني بين الفينة وأختها ردود أفعال مخالفة «كريمة، وأخرى غير ذلك»، حول ما أكتبه أو أقوله عن بعض حركيي الإسلام السياسي، والقابعين -حاليا- تحت طائلة الإيقاف لدى أجهزة الأمن، وتُلَخِص ردود الأفعال تلك وجهة نظرها في: أن من تتحدث عنهم لا يستطيعون الرد أو الدفاع عن أنفسهم أمام ما تقوله أو تكتبه، ومع علمي الأكيد بوطنية هؤلاء الإخوة، ورفضهم القاطع أعمال المتاجرة بالدين بأي سبيل، يأتي اعتراضهم على نقد من لا يستطيع الرد على النقد من باب إنساني بحت، وأخلاقي صرف لا أكثر، خصوصا أن المانع لهم عن الرد هو: إيقافهم على ذمة القضايا والمسائل التي تنتقدها وتذكرها، وتحاول إبرازها، مما يعطي انطباعا عاما بأن ما تقوم به ما هو إلا تأليب للسلطة عليهم، ولي على وجهة النظر الكريمة هذه بعض التعليق في النقاط التالية:
الدعوة إلى الله على بصيرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، واجبان معلومان من الدين بالضرورة، بأدلة قطعية الدلالة وقطعية الثبوت، من القرآن الكريم والسنة النبوية، وهما «الدعوة والاحتساب» باختصار شديد وبساطة يعنيان: إفراغ الوسع والجهد -كلٌ بحسبه- في نقل الناس من مخالفة صريح أمر الله إلى موافقة أمر الله، بدليل قطعي في ثبوته ودلالته، وليس ظني الدلالة أو الثبوت أو مختلفٌ في تفسيره، وتوجه هذه الدعوة وهذا الاحتساب إلى المسلم وغير المسلم، وللدعوة والحسبة قواعد وأركان وشروط ضابطة لأثرهما الكبير والمهم في المجتمع، إذا اتفقنا على هذا الأمر، فإنك ترى بكل وضوح لا غبش فيه أن غالب المتصدرين لهذين الأصلين -الكبيرين من أصول الإسلام- من رواد الإسلام السياسي في السعودية، تشبثوا بهما كذريعة ليُجرِّموا كل ما يقوم به السياسي من عمل، خصوصا أولئك الذين ثبتت لهما البيعة في أعناق السعوديين، وهما الملك وولي عهده -حفظهما الله-، وأضحت العملية تمرحلا بطيئا، وتربية مُلتفّة للمجتمع ليسهموا في إضعاف هيبة الدولة، وهذه معضلة ستنقلنا مباشرة إلى المرحلة التالية وهي الفوضى، ثم تكرار ما حدث لدول نكبة الربيع العربي.
ويدرك كل مراقب أو متتبع للأحداث أو حتى معاصر لها، أننا من أزمة الخليج الثانية وحتى هذا العهد، والبلد في شد وجذب مع التطرف والإرهاب، بسبب الاحتساب والدعوة السياسيتين، وهذا ما يجعل الوقوف في وجه هذا الفكر واجبا على كل قادر وعاقل.
مرت بنا تجربة مريرة مؤذية، قبل عدة عقود، وما زالت تورث أسىً وحزنًا في نفوس من عاصروها أو قرؤوا عنها بعمق، وهي فتنة جهيمان وتدنيسه وجماعته الحرم المكي الشريف.
كان الجو العام -حسب وصف المعاصرين له- وقبيل تطهير الحرم من رجسهم، يشبه بعض الأجواء التي مرت بنا، في أزمة الخليج الثانية، ثم في أعوام 1992، 1994، 1996...إلخ، وصولا إلى عام 2011 وما بعده، والأحداث التي حدثت غَنيَّة عن التذكير والإعادة، وقد كان أكبر خطأ وقع فيه العلماء أثناء حادثة جهيمان وبعدها، هو الموقف السلبي والهامشي الذي أشبه عدم المبالاة، فلم يحاولوا أن يعيدوا النظر في كثير من المسلَّمات التي بُثَّت في نفوس الشباب تلك الفترة، ولم يحاولوا القيام بأي دور لإصلاح الخطاب الديني السائد وقتها، أو القيام بأي محاولة للتعامل مع خطاب العنف والتطرف والإرهاب تعامُل المكافح المعالج والمصلح، بل اتجهت أصابع الاتهام إلى الدولة التي زعم التيار الديني وقتها أنها أفسحت مجالا لإفشاء المنكرات في البلد، مما أجج نفوس الشباب المتدين.. إلخ.
وهنا، ومن باب الاستفادة من التجارب وتلافيا للورطات والغلطات المنهجية الكبيرة التي وقعت حينها، فإنه يجب نقد هذا الفكر بكل قوة حتى لا تتكرر المآسي والمحن من جديد.
هؤلاء الدعاة لم يجلسوا في بيوتهم ويَنْكَفِئُوا على أعمالهم وأُسرهم، بل تصدروا المشهد العام وما زالت أفكارهم وموادهم الإعلامية -بمختلف أشكالها- تسري في شرايين المجتمع وأوردته، ومواجهة فكرهم يتم -كأول خطوة- ببيانه، وهذا لا ينفك عن الحديث عن شخصياتهم الاعتبارية كرموز وكيانات في المجتمع، اتفقنا معهم أو اختلفنا، بعيدا عن ذواتهم وشخصياتهم الطبيعية كأفراد، وبعيدا عن أسرهم الكريمة المقَّدرة، وبعيدا حتى عن رميهم بتهم العمالة أو الخيانة، وهذا في الوقت ذاته لا يعني عدم تبيان الحقائق والوقائع بشكل جلي، حتى لو كانت تنطق بتلك التهم صراحة، فهذا قَدَرُهم، وهذا ما عملته أيديهم، والقضاء يُصَدِّقُ ذلك أو يُكذِّبُه، بما يثبت لديه من أدلة، ودورنا هنا هو وضع الحقيقة حسبما نراها حقا أمام المجتمع، وهو حرٌ في القبول أو الرفض.
في ظني أن الدولة ليست في حاجة إلى أي تأليب أو استعداء على هؤلاء، لسبب بسيط جدا، هو أن الجهات الأمنية لديها من الأدلة والبراهين المادية ما يفوق أي توقع، والعارف الخبير بسياسة الدولة يعلم مدى براعة استخدامها سياسة النَّفَس الطويل التي تمارسه مع هذه الفئات، ويعلم مقدار عمق استخدام مبدأ إتاحة الفرصة للتراجع، أو التغيير للأصلح، أو الاعتذار أو تبديل الموقف، حتى تُضطَر في نهاية الأمر إلى الإيقاف على ذمة التحقيق أو المحاكمة، وخير دليل على ذلك ما قامت به الدولة -أعزها الله- عام 1994 من إيقاف مجموعة من الصحويين، وهذا الإيقاف لم يأت بين ليلة وضحاها، بل سبقته أعوام طويلة من المناقشة والتنبيه والتحذير، وممارسة الأجهزة الأمنية بعض الصلاحيات كالمنع من الخطب والدروس أو المنع من السفر، ومع ذلك لا يرعوي الصحوي عن غيِّه حتى يُتخذ معه الإجراء الصارم، ثم بعد العفو، تأتي سلسلة من الصفحات البيضاء تقدمها الدولة لهم، بل وترفعهم فوق مكانتهم، وفي هذا حق مشروع للطرفين. هم أبناء الدولة، والدولة تحافظ على أبنائها، وتحرص على صلاحهم، ثم ترجع الكَرة معهم كالدوران في حلقة مفرغة، وحتى نحمي المجتمع من هذه التذبذبات، كان لزاما علينا التحذير والتنبيه.
وبناء على ما ذكرته في الفقرة السابقة، يحق للقارئ الكريم طرح تساؤل: إنه والوضع على هذه الشاكلة، فلم لا نترك الأمر بينهم وبين الدولة، ونكف أقلامنا وألسنتنا عنهم؟، وللإجابة عن هذا التساؤل، أقول: إنه ما لم تنتهك الأعراض أو يتم التكفير أو التخوين -وهما لفداحة أمرهما يفتقران إلى حكم قضائي- أو يشخصن النقد لانتقام أو تشفٍ أو غير ذلك، وما دام النقد منصبّا على الفكرة والحركة المتعلقة بالرمز المنتقد، فهذا حق مشروع وأمر مندوب، خصوصا أننا نوجه الكلام ونقصد به فئة من المجتمع لم تستبن حتى الآن خطر هذا الفكر، وفئة أخرى ما زالت مغيبة الذهن تؤيد هذا الفكر وتناصر رموزه، ولو في الخفاء.
أخيرا، عن نفسي أتمنى من كل قلبي أن يعود هؤلاء إلى رشدهم، وينتظموا في مسيرة الإصلاح التي بدأت على يدي الملك سلمان -أيده الله- وولي عهد الأمين، لغد مشرق لأبنائنا وأجيالنا القادمة، فلا فكر الإخوان المسلمين فكرنا، ولا الخروج على حكامنا ومنازعة الأمر أهله عادة آبائنا وأجدادنا.
 

خالد العضاض        2018-11-15 10:23 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال