الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

88 عاما من العزة بدأناها بوحدة وعززناها برؤية

أفضل صور الاحتفال تكمن في تجديد قيم الانتماء لهذه البلاد التي جعلها الله حاضنة لحرميه الشريفين، ومنطلقا لنور الإسلام الذي عم العالم كله، وزيادة العمل لأجل رفعتها وإعلاء شأنها

يذكر التاريخ أنه على امتداد سيرته الطويلة كانت هناك شخصيات استثنائية ورجال أفذاذ، لا يتكررون كثيرا، ولا يجود الزمان بمثلهم، يحملون صفات استثنائية، ويمتلكون قدرات غير عادية، نظرتهم ثاقبة، وحدسهم لا يخطئ، وطموحاتهم تلامس سقف السماء، أمثال هؤلاء يسطرون أروع الملاحم وينجزون أعمالا كان غيرهم يظنها من سابع المستحيلات، ويحققون إنجازات استثنائية لصالح أممهم ودولهم وشعوبهم، فيضعون بصمتهم التي تبقى على مدار الزمن. ومن هؤلاء المغفور له -بإذن الله- الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن الفيصل آل سعود، الذي تمكن بحنكته السياسية الواسعة، وشخصيته الفريدة التي سبقت عصرها بمراحل عديدة، أن يقود عملية توحيد هذه البلاد المباركة، واستطاع -بما آتاه الله من قدرات فذة- أن يوحد رجال القبائل حوله، ليقود بهم أروع ملحمة، فكان إعلان المملكة العربية السعودية دولة فتية أبية.
كانت بلادنا قبل ذلك التاريخ تعيش في فوضى عارمة، تضرب بأطنابها في كل مرافق الحياة وجوانبها، فكانت القبائل تغير على بعضها البعض، وتندلع بينها حروب طاحنة -لأبسط الأسباب- فتقضي على ما كان موجودا من إمكانات، رغم ندرتها، وبذلك بقي أبناؤها يعيشون في فقر مدقع، ويعانون شظف العيش وقسوة الظروف، ولم يكن هناك أي بصيص أمل في تغيير ذلك الواقع القاتم، إلا من إيمان بالله لم يفارق صدورهم رغم المعاناة. كان المصلحون والأخيار يتحينون الفرص للإصلاح وتغيير الصورة، لذلك لم يترددوا بمجرد مجيء الملك الموحد في الالتفاف حوله، والانضواء تحت قيادته، والائتمار بأمره، لأنهم رأوا الصدق والأمانة والنزاهة قد تجسدت في شخصه الكريم، فوضعوا أنفسهم فداء لأجل تحقيق الهدف الكبير السامي، بعد أن استمال قلوبهم وكسب أفئدتهم، واستحق احترامهم وتقديرهم، ومن هنا بدأت مسيرة تغيير الواقع نحو الأفضل.
لم تكن عملية التوحيد سهلة ميسورة، بل حفتها الصعاب من كافة النواحي، وواجه الملك المؤسس ورجاله الأشاوس أهوالا وصعابا بالغة الخطورة، لكن كل ذلك لم يثنهم عن المضي قدما في سبيل تحقيق غايتهم، ولم يكسر عزيمتهم وإصرارهم، فكان لهم ما أرادوا، ودانت البلاد بكافة أنحائها للعهد الجديد، وارتفع صوت مبارك خالد يعلن قيام المملكة العربية السعودية في عام 1932. ولم تقف تضحيات الملك عبدالعزيز على مجرد اكتمال توحيد البلاد، بل بدأ عصر جديد من العمل الجاد الدؤوب لرفعة شأن هذه البلاد، فتسارع الجميع لأجل تقديم كل ما يلزم لتطويرها ودفعها إلى مصاف الدول المتقدمة، فتحقق الأمن بعد الفوضى، وحلت التنمية والطفرة مكان الفقر والعوز، واستمرت بلادنا تنتقل من نجاح إلى آخر، وتحقق النهضة تلو الأخرى، حتى وفاة الملك الموحد، رحمه الله. ومن بعده سار أبناؤه الملوك البررة، سعود وفيصل وخالد وفهد وعبدالله -رحمهم الله- على نفس الطريق، حتى جاء عهد ملك الحزم والحسم، سلمان بن عبدالعزيز، حفظه الله ورعاه.
ونحن نعيش هذا العهد الزاهر، ننعم بإنجازات كبيرة ومكتسبات غير مسبوقة، حققتها بلادنا الغالية، نتيجة لتوجه القيادة الرشيدة لتطوير كافة مناحي الحياة، اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وثقافيا، بعد أن تم إقرار رؤية المملكة 2030 التي يشرف على تطبيقها ولي العهد الأمين، صاحب النظرة الثاقبة والرؤية السديدة، فجاءت الرؤية لتحقيق تلك التطلعات، وحوت العديد من الأهداف الإستراتيجية، أولها تنويع مصادر الدخل، واستنباط قنوات جديدة تسهم في تحقيق التنمية المرجوة، وتقليل الاعتماد على النفط كمصدر رئيسي للدخل، لتحقيق التنمية المستدامة التي تقوم على عدم استنزاف الموارد، وترشيد استخدامها، وضمان حصص الأجيال المقبلة منها. ولأن بلادنا تنعم -ولله الحمد- بإمكانات أخرى هائلة، فقد وضعت مشاريع إستراتيجية غير تقليدية. مثل استخدام الموقع الإستراتيجي المتميز، وتفعيل القدرات السياحية الضخمة التي أنعم الله بها على وطننا، والتنوع البيئي والزراعي الهائل، وهي قدرات يمكن أن تضيف لبلادنا مكتسبات تماثل تلك التي أضافها النفط، إن لم تتفوق عليها. كذلك هدفت الرؤية إلى تحقيق أهداف أخرى على كافة الأصعدة، مثل تمكين المرأة وزيادة نسبة إسهامها في الناتج القومي، ومساعدتها على الانطلاق في ميدان العمل الاقتصادي.
وإن كانت بلادنا تنعم -ولله الحمد- بإمكانات طبيعية هائلة أهلتها لدخول قائمة العشرين لأكبر 20 اقتصادا متطورا في العالم، فإن الله تعالى أنعم عليها بنعمة تفوق كل ذلك، وهي نعمة القيادة الرشيدة التي استطاعت تسخير كل تلك القدرات وتوجيهها بالشكل الذي يصب في مصلحة الوطن والمواطن، فكم من الدول الأخرى في كافة قارات العالم وهي تضم في جوانبها ثروات هائلة وإمكانات ضخمة، لكنها مع ذلك ترزح تحت وطأة الفقر والعوز، ويعاني مواطنوها الأمرين، وذلك بسبب انشغال قادتها عن برامج التنمية والإصلاح، وانصرافهم لقضايا جانبية، أعاقت تنميتها ووقفت حجر عثرة أمام طموحات مواطنيهم وأحلامهم. لذلك فإن أفضل صور الاحتفال بهذه المناسبة الغالية تكمن في تجديد قيم الانتماء لهذه البلاد التي جعلها الله حاضنة لحرميه الشريفين، ومنطلقا لنور الإسلام الذي عم العالم كله، وزيادة العمل لأجل رفعتها وإعلاء شأنها، وأن نسارع إلى تجديد البيعة والولاء والطاعة لهذه القيادة الكريمة، التي لم تترك بابا يؤدي إلى ما فيه خير المواطن والوطن إلا طرقته وفتحته. لذلك لا ينبغي أن نكتفي بالمشاركة في الاحتفالات وإظهار مشاعر الفرح، فهذه مشاعر صادقة لا بأس بها، لكن من الواجب أن ترافقها وقفة مع الذات، نسترجع فيها تلك الملحمة البطولية الفذة، وندرك أن بلادنا تستحق منا أن نفديها بأرواحنا ونقدمها على ما سواها.
 

هادي اليامي        2018-09-20 8:13 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال
 

مقالات سابقة للكاتب