الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

بأية حال عدت يا عيد

البعض بدأ يتساءل.. في عصر مثل عصرنا هذا ماذا يحكم علاقات الناس غير المصالح؟ ويذهب البعض إلى أنه لا عيب في الانشغال بالمصالح الشخصية بشرط ألا تكون تلك المصالح سببا في الإضرار بالآخرين ومصادرة حقوقهم

كان يحكم مصر حاكم قوي يسمى (محمد بن طغج) ويلقب بالإخشيد وإليه تنسب الدولة الإخشيدية، وقد خلفه أحد أتباعه الذي لا يقل عنه قوة مهارة وحكمة، وكان يدعى (كافور الإخشيدي)، وهو الذي كان يمدحه الشاعر المتنبي بعدد كبير من القصائد (سميت الكافوريات)، أملا منه أن يهب له مقابل ذلك مدينة يحكمها أو ضيعة يملكها، فلما يئس من ذلك عمد إلى هجائه بأقذع السباب وأفحشه. وكان من جملة الهجاء القصيدة المعروفة ببدايتها الرائعة:
عيد بأية حال عدت يا عيد
بما مضى أم بأمر فيك تجديد
ورغم هذه البداية إلا أن المتنبي سرعان ما يتحول عنصريا ليقذع كافور بأبشع الألفاظ وأسوأ الكلمات ومن تلك الأبيات قوله:
ما كنت أحسبني أحيا إلى زمن
 يسئ بي فيه عبد وهو محمود
ويتضح جليا أن جمال العيد ورونقه وبهاؤه عند المتنبي ارتبط هنا بمصالحه ومطالبه، فقد كان مادحا لكافور من أجل الحصول على منصب أو جاه، فلما لم يجد ما يريد انقلب عليه ونسي تلك الأيام الخوالي وكأنها لم تكن!!
طوى النسيان سيرة كافور الإخشيدي، ولم يبق من تلك السيرة إلا تلك الأبيات التي هجاه بها المتنبي، ولم يذكر التاريخ أو يحفظ لكافور وبقية ملوك الإخشيد أنهم حموا مصر من الفاطميين غربا والقرامطة شرقا. فلما مات كافور قام المعز لدين الله الفاطمي بغزو مصر. وطلب منه المصريون أن يثبت نسبه لآل البيت فنثر عليهم الدنانير وقال: هذا نسبي ثم سل سيفه وقال: وهذا حسبي، فتقبل المصريون حكم الفاطميين، ولكنهم لم يتقبلوا مذهبهم الشيعي، بل حتى (جامع الأزهر) تحول لاحقا ليكون سُنيا. وهنا نرى ظلم التاريخ في إخفاء مآثر كافور الإخشيدي في حماية مصر من أطماع القرامطة وفي إظهار الفاطميين الذين ظهرت منهم طوائف الحشاشين وغيرهم.
يقول توفيق الحكيم إن المصلحة الشخصية هي دائما الصخرة التي تتحطم عليها أقوى المبادئ. وهكذا هو حال أعيادنا فبعد أن كانت تلك الأعياد ترتكز على العلاقات الاجتماعية والتواصل والحب والتسامح والزيارات، أصبحت كل هذه الصفات شبه معدومة ولم يعد حالنا أفضل من حال المتنبي، فرسائل المعايدة وتكلف الزيارة والهدايا تذهب لأولئك الذين نرى أن مصالحنا الشخصية عندهم وأن نجاحاتنا بأيديهم. ويرى الكثير من شباب هذا اليوم أن الحياة بصفة عامة لم نعد نرى فيها الصداقات الحقيقية، وإنما أصبحت مصالح متبادلة وبمجرد أن تنتهي المصلحة تنتهي معها تلك العلاقة. بل إن البعض بدأ يتساءل.. في عصر مثل عصرنا هذا ماذا يحكم علاقات الناس غير المصالح؟ ويذهب البعض إلى أنه لا عيب في الانشغال بالمصالح الشخصية بشرط ألا تكون تلك المصالح سببا في الإضرار بالآخرين ومصادرة حقوقهم. وإلى أن يعود زمن الأعياد الجميلة سنظل جميعنا ذلك المتنبي الباحث عن مصلحته، وسيظل الآخرون هم ذلك (الكافور).
 

عواجي النعمي        2018-08-24 12:37 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال