الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أطفال افتراضيون وآباء إلكترونيون

الصورة الآن تقول بكل وضوح إننا لم نعد أكثر من آباء بيولوجيين لأطفالنا الذين حولناهم بإهمالنا إلى أبناء افتراضيين لآباء إلكترونيين

قبل أسبوع من كتابة هذه المقالة كنت أظن أنني متفوق في مجال عالم التقنية والإلكترونيات ومتابعة الجديد فيها بحكم تخصصي في عالمها، لكن أطفالا صغارا قلبوا هذه الفكرة رأسا على عقب حينما احتجت أن أرفع بعض البرامج الخدمية إلى أجهزتي الخاصة، لإنجاز بعض الأعمال، فقام أصغرهم الذي لم يكمل عامه الثاني عشر بإنجاز المهمة بسرعة فائقة، مع أول استفسار طرحته على أحد الأطفال حول برنامج جديد لم أتمكن من الحصول على نسخته، حيث تناول جهازي الجوال، وقام مباشرة بالدخول على أحد المواقع بطريقة معينة، وخلال دقائق كنت قد حصلت على البرنامج وتم تثبيته على جهازي، لقد تغير العالم وتسارع كل شيء بالفعل..!!
هذا الأمر جعلني أقرر على الفور قضاء بعض الساعات مع الأطفال لأتمكن من الدخول إلى عالمهم الخاص، وحينها اكتشفت عدة أشياء كانت أهمها تخلفي عنهم في مستوى المتابعة للجديد، وقد كنت أظن (مخطئا) أن الفارق العمري بيني وبين الطفل 37 عاما فقط، لكنني صححت بعدها المعلومة تماما وأيقنت أن الفارق بالتأكيد ليس أكثر من 37 ثانية ولصالحه بالطبع، وهنا تأكد لي أنه لا بد من تغيير فكرة المقارنات العمرية السخيفة التي دأبنا من خلالها على تقييم الفوارق بيننا وبين أطفالنا، وأن مفهوم رؤية الجيل الجديد من هذه الزاوية أحد أكبر الأخطاء الفادحة التي نرتكبها، وهو ما يتسبب في ضياع أطفالنا من بين أيدينا، وهو الأمر الذي أكده لي اكتشافي الثاني الأكثر أهمية جدا، والذي عرفت بعده، أننا لسنا الآباء ولا المربين ولا المعلمين الوحيدين لأطفالنا بعد اليوم، إذ يتشارك معنا في ذلك آباء آخرون يقبعون خلف شاشات الألعاب التي يمارسها أطفالنا من خلف أبواب غرفهم، ويرسمون بدلا عنا شكل حياة ومستقبل أطفالنا عبر الشبكة المعلوماتية (الإنترنت).
غرفة خافتة الضوء بشكل كبير، وعلب مشروبات الطاقة، وصحون مكسرات، وشاشة عملاقة، وصندوق ألعاب رقمي، وأجهزة لعب في اليدين، هذه هي الحالة الجديدة التي باتت تسيطر على تفكير أطفالنا المراهقين، ويلعبون مع أعضاء فريق مختلف الأعمار من سن الثامنة إلى سن الستين عاما، ويتحدثون سوية عبر شبكة الإنترنت وسماعات (headphone) لساعات طويلة، وعلى مدى جلسات متتالية ساخنة، تدور حوارات عنيفة، يشكل من خلالها أطفالنا قاموسهم الثقافي والمعرفي، ويراكمون مصطلحات العنف وأشياء أخرى دون علمنا بتفاصيل أخرى بالتأكيد. لقد باتت قواميس أطفالنا حافلة بمفردات من مثل (حرب، فخ، كمين، سلاح، مسدس، قتل، قتال، معركة، تفجير، اقتل، حاصر، سكين، نحر، اذبح.... إلخ)، مصطلحات لم تكن في قاموسنا حين كنا في مستوى أعمارهم على الإطلاق.
لقد باتت اشتراطات التربية الحديثة للأطفال صعبة وكبيرة، وأصبح لزاما علينا أن نضع جانبا عددا من الاهتمامات السابقة التي كنا نصنفها كعادات أو مسؤوليات مهمة في حياتنا اليومية، نعم يجب أن نتنازل عن بعض عنجهيتنا أيضا، وإلا فلنستعد للعديد من المفاجآت غير السارة داخل بيوتنا، فالصورة الآن تقول بكل وضوح إننا لم نعد أكثر من آباء بيولوجيين لأطفالنا الذين حولناهم بإهمالنا إلى أبناء افتراضيين لآباء إلكترونيين يقبعون خلف الشاشات، لكنهم أكثر قربا منهم، وأكثر حميمية معهم منا، وأجزم إن أغفلنا ذلك سنفقد أماكننا كآباء في قادم الأيام بالتأكيد.
 

صالح الديواني        2018-07-17 10:21 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال