الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أحطت بما لم تحط به

نحن في هذه البلاد السعودية، بلاد التوحيد والسنة، أحوج ما نكون إلى التعاون مع ولاة أمرنا، وأن يستشعر كل فرد مسؤوليته، ويكون عضوا فاعلا مع مجتمعه ودولته

(أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبأ بنبأ يقين)، هذا ما قاله (الهدهد) وهو مجرد طائر ضعيف في مملكة نبي الله سليمان، عليه الصلاة والسلام، ذلك النبي الكريم الذي وهب الله له مُلْكا لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فقد عُرضت عليه الصافنات الجياد، وسخَّر الله له الريح تجري بأمره رُخَاء حيث أصاب، وسخَّر له الشياطين كل بناء وغواص، وآخرين مقرنين في الأصفاد، وقال له ربه: (هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب)، ولما عرضت عليه قضية الحكم في الحرث الذي نفشت فيه غنم القوم، خصه الله بالفهم في الحكم فيها، فقال تعالى (ففهمناها سليمان).
مع هذه الخصائص التي منحه الله إياها، فإن ذلك لا يُلغي دور التعاون معه من كل أحدٍ في مملكته، حتى وإن كان شخصا مدفوعا بالأبواب، بل حتى لو كان طائرا ضعيفا، ولهذا لما جاء (الهدهد) بمعلومة، أخذها النبي سليمان مأخذ الجد، وأخضعها للنظر والتثبت، ولم يقلل منها ومن قائلها، حتى وإن عرضها قائلها بأسلوب فيه قوة، وتجهيل لغيره (أحطت بما لم تُحط به).
وكان من نتيجة هذه المعلومة المهمة، وهي قوله: (إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ * وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِن دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُون)، كان من نتيجة ذلك دخول مملكة سبأ في دين الله تعالى، ولهذا قال الهدهد داعيا إلى التوحيد: (أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْـخَبْءَ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُون * اللَّهُ لا إلَهَ إلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيم)، هكذا كانت عناية هذا الطائر بالدعوة إلى التوحيد، لم يقل لا شأن لي بهم، وما يفعلونه هو من باب: (حرية الأديان) كما يقوله (بعض) المنهزمين من المسلمين، الذين يضيقون ذرعا بالدعوة إلى الله، ويرونها تدخلا بشؤون الناس، ومنافية لحكمة الله بالتعددية، ولو عقلوا لعلموا أن الدعوة إلى التوحيد، والتحذير مما يُضاده، لا تعني إكراه الناس على الدين، فالذي أمرنا بالدعوة إليه سبحانه، هو القائل (لا إكراه في الدين).
ومملكة سبأ -كما يقول قتادة- هم أولو مشورة الملكة، ثلاثمائة واثنا عشر رجلا، كلّ رجل منهم على عشرة آلاف رجل غير ما وصفه الهدهد بقوله: {إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ}.
هذه القصة العظيمة فيها دروس كثيرة، ومنها: ما أشرت إليه من استشعار كل أحد مسؤوليته، وإبلاغ ولي الأمر فيما يراه محققا للمصالح، ودافعا للمفاسد، ولا يقول: لديهم من الأجهزة والإمكانات ما ليس لدي، صحيح أن لديهم ما ليس لديه من الإمكانات، ولكن قد يدرك ضعيف الإمكانات، ما لم يدركه قوي الإمكانات، ومهما كان لديهم من الإمكانات فلن يكون مثل ما آتاه الله لنبيه سليمان، عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك أحاط الهدهد بما لم يحيطوا بعلمه، ولذلك تعجب النبي سليمان كيف خفيت عليه هذه المعلومة، وقال: (سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين).
ونحن في هذه البلاد السعودية، بلاد التوحيد والسنة، أحوج ما نكون إلى التعاون مع ولاة أمرنا، وأن يستشعر كل فرد مسؤوليته، ويكون عضوا فاعلا مع مجتمعه ودولته، ولا يحقر نفسه، فيتكاسل عن بيان معلومة صحيحة لها مساس بدين الناس وأمنهم واستقرارهم، فقد يحقق الله به مصالح عظمى، ويدرأ به مفاسد كبرى، وانظر إلى رجل غير معروف جاء من أقصى المدينة يسعى، وبلّغ نبي الله موسى -عليه السلام- معلومة مهمة، صارت سببا في نجاة نبي الله موسى، ولم يقل ومن أنا حتى أخبره، وما علمي إلى علمه؟! لم يقل ذلك، وإنما عرض عليه القضية، واقترح عليه الحل، كما في قوله تعالى: (وَجَاءَ رَجُلٌ مِّنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَىٰ قَالَ يَا مُوسَىٰ إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِين)، فلنكن إيجابيين صادقين متعاونين على الخير، حذرين من السلبية والكذب واللامبالاة، وما التوفيق إلا بالله، عليه توكلنا، وإليه ننيب.
 

أحمد الرضيمان        2018-03-02 9:21 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 14 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • تكملة جواب الأخ الكريم عبدالله .. :.فقال له :( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون ) وهذا منهج علمي نستفيد منه ، لاحظ أنه قال : ( فانظر ماذا يرجعون) ولم يقل: (قل كلمتك وامش) وإنما أوصاه برصد ردود الأفعال ، لأن هذا ينبني عليه فوائد لا تخفى أحمد الرضيمان
  • الأخ الكريم عبدالله : أنا أتفاعل مع القراء ، لأني قد أستفيد من تعليقاتهم ، وقد يفهم بعضهم ماليس بمرادٍ لي فأصححه ، وقد يسأل بعضهم فأجيبه ، ذلك أني لا أكتب لمجرد الكتابة ،و لا أكتب لنفسي ، أنا أكتب للقراء ، ولذلك يهمني رأيهم ، والتفاعل مع مرئياتهم ، وكما أنهم فرغوا أنفسهم لقراءة ماأكتب وعلّقوا عليه ، فإنه يجيب عليّ أن أفعل ذلك ، وتأمل قصة سليمان عليه السلام مع الهدهد ، تجد أنه لم يكتف منه بإلقاء الكتاب والمقال ، وإنما اهتم برصد ردود الأفعال ، فقال له :( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنه أحمد الرضيمان
  • الأخ الكريم عبدالحفيظ : تقول ما مفهوم الاسلام ، وأرى ألا يُقال في الأسئلة : مارأي الدين ، ما رأي الاسلام ، وإنما يُقال مافهمك حسب علمك من الشريعة ، وذلك أن جوابي قد يكون صحيحا وقد يكون خطأ ، فلا يصح نسبته للدين ، أو أن ماقلته هو الدين . وجوابا عن سؤالك أقول : كل ماسوى دين الإسلام فهو باطل ، ولايقبله الله ( ومن يبتغ غير الاسلام دينا فلن يقبل منه..) ، ولايصح أن يقال بجواز حرية الأديان ، ومن قال ذلك فقد كذب الله في قوله ( ولا يرضى لعباده الكفر ) ، بل نقول لمن اختار غير الاسلام إنك آثم وكافر ، لكن أحمد الرضيمان
  • الأخ الكريم متعب / أنا أتكلم بصفة عامة ، بأن يكون إبداء الآراء لولي الأمر بدون إثارة وتهييج ، ولم يدر بخَلدي قط ، أن أقصدك بذلك ، أو أقصد شخصا بعينه ، حفظك الله أحمد الرضيمان
  • عمل الصحفيين الذين يكتبون المقالات هو : - قل كلمتك وامش ، لكنك تخالف ذلك لماذا؟؟ عبد الله محمد باكوسي
  • السلام عليكم شيخنا الفاضل: في هذا العصر تتردد كثيرا عبارة ( حرية الأديان) ،أو عبارات أخرى كالآتية :(ٱتحاد الدين)أو(تقريب الأديان)فما مفهوم ذلك فى الإسلام؟ وجزاكم الله خيرا عبد الحفيظ محمد باكوسي
  • أخي الغالي لقد وقعت في لَبْس من ردّك ، لم أفهم مغزى ماتريد من قولك هل هو موجه لي او عموما، تهيج وإثارة ، وشخصيا أحب الوطن وقيادته ، وأذود وبشتى وسائل التواصل الاجتماعي عن وطني الغالي، وعموما تبقى عزيز ولَك قدرك ومحبتك لدي متعب الزبيلي
  • الاخ الكريم الاستاذ غرم الله ، قتادة كما تعلم مشهور بالحفظ والعلم ، وله شيوخ كثر من الصحابة وغيرهم ، وقد ذكر هذا الأثر جمع من المفسرين ، وهو أثر مرسل ، قد يكون سمعه من مشايخه ، أو من أخبار بني إسرائيل ، وهو خبر لا ينبني عليه حكم شرعي ، في الحلال والحرام ، ولهذا ذكره المفسرون في كتبهم ، ولا يخفى على شريف علمك حديث( حدثوا عن بني إسرائيل ولاحرج) وفي رواية ( لاتصدقوهم ولا تكذبوهم ) ، الخبر الغيبي لايجزم بصدقه الا إذا ورد في القرآن أو صحيح السنة . أحمد الرضيمان
  • الأخ الكريم : مسبار ، تقول ( مسؤولو الإعلام لايعتمدون على ثقافة العوام.) وأحترمك وأحترم رأيك ، ورأيي هو : أن على مسؤولي الإعلام وغير الإعلام أن لا يستشعروا الفوقية على العوام وغيرهم ، فالعبرة بالمعلومة مهما كان قائلها عالما أو عاميا ، والحق يجب قبوله ممن جاء به مهما كان مصدره ، والباطل يجب رده مهما كان مصدره ، وانظر لهذا الطائر (الهدهد) كيف أحاط بما لم يُحط به سليمان عليه السلام ، وكيف أن سليمان لم يهمل خبره ، وإنما أخضعه للتحقق( سننظر أصدقت..) أحمد الرضيمان
  • الأخ الكريم متعب مرحبا ووفقك الله ، لاريب أن التعاون مع قيادتنا هو مصلحة ديننا ووطننا ، فانظر لهذا الهدهد كيف تعاون واستشعر مسئوليته الفردية وأخبر النبي سليمان بهذه المعلومة المهمة ، ولم يقل : وما شأني ، لدى سليمان عليه السلام ما ليس لدي ، لم يقل ذلك ، فالتعاون أساس النجاح ، ولكن ليس بالتهييج والاثارة ، والكلام فيما لايحسن . أحمد الرضيمان
  • شكرا لجميع المداخلين الفضلاء ، ومداخلاتكم تثري الكاتب والقراء ولاشك . أحمد الرضيمان
  • سلام عليكم شيخنا الفاضل .. سؤالي - بارك الله بك - هو : كيف عرف قتادة يرحمه الله عندما قال .. اقتباس (ومملكة سبأ - كما يقول قتادة - هم أولو مشورة الملكة [312] رجلا ؛ كل رجل منهم على [ 10.000 ] رجل ..) انتهى الاقتباس ..؟! ألم يكن قتادة ضرير أكمه ؟ وإذا قلنا بقوة ملكة الحفظ عنده ، فمن من سمع الأعداد التي ذكرها عن ملكة سبأ ؟! غرم الله قليل
  • سماء إعلام القرن 21 تمطر على مدار الساعة: 24/7-365. كل ما يجب فعله هو أن نعلم وندرب ونهيئ ونمكن ونحفز و نكافئ القائمين على تحليل ما تمطر به سماء الإعلام. مسؤولو عالم اليوم لا يعتمدون على ثقافة العوام LAY PERSONS في إدارة أعمالهم. مسبار
  • وفقك الله ، نعم للتكاتف والوحدة والسير خلف قيادتنا الرشيدة متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال