الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

كم وكيف والترشيد المنظم

بدلا من أن نكثر من سؤال «كم جاءك؟» ونخلق حول حساب المواطن هاجسا، علينا أن نتحول بالسؤال إلى «كيف» نخطط لثقافة استهلاكية غير السابقة، عنوانها الترشيد المنظم

منذ تم إقرار «القيمة المضافة» الضريبة غير المباشرة التي تفرض على سلع تجارية وخدمات أخرى، وهي تطبق في أكثر من 160 بلدا في العالم، حتى أخذ الحديث عنها في مجالسنا ولقاءاتنا، يأخذ حيزا كبيرا من حواراتنا، وأصبحت الهاجس الذي يتصدر قضايانا المحلية، يرافقها في هذا الشأن، محور آخر، استحوذ على «سواليف» المجالس، وأعني به «حساب المواطن» ليصبح حديث الناس الدائم، إلا أن موضوع حساب المواطن كان يشهد الحديث عنه تدفق موجة من الأسئلة والأجوبة، تخترق حوار المتحاورين حوله، الذي يبدأ عادة بسؤال مفاده «كم جاءك؟»، ثم يبدأ هطول الأسئلة، وأصبحت «الكم» هي المفردة التي تقص شريط مجالسنا، وبها ننهي حواراتنا، لكننا قليلا ما نستخدم كلمة «كيف»، ولعلها كانت ستخفف شيئا من سخونة أجواء الحوار حول حساب المواطن.
أتفهم المرحلة القادمة في حياة كثير من الأسر، خاصة الأسر التي تقل مداخيلها المالية عن توفير احتياجاتها المعيشية، مع أن بلادنا -وفق الله قادتها- لم تقصر حين أقرت حساب المواطن، لتخفف شيئا من تكاليف المعيشة عن كثيرين، وهو دور عظيم يجب ذكره والتوقف عنده، ولا يمكن أن يقابل ذلك الفعل من الدولة، الذي يشعر معه كل مواطن ويرى دولته تعيش همه، إلا بمزيد من الولاء لقادتنا، والانتماء لبلادنا، لأنها لم تقم بهذه الخطوات إلا من أجل خلق «تنمية مستدامة»، وهذا ما سيجنيه الوطن والمواطن في المستقبل المنظور القريب، غير أني قصدت أن «كيف» أراها هي الأهم من «كم» التي تسيطر على حوارات مجالسنا خلال هذه المرحلة القادمة، التي تتطلب الموازنة في حياتنا وكذلك التضحيات، خاصة ونحن نعلم لماذا لجأت الدولة إلى ذلك، ودائما الإنسان السعودي في هذا الوطن يثبت أن معدنه أصيل في كل الظروف والأحوال، ويقف إلى جنب قيادته وفيًّا شهما، ويعلم ما أعطاه وطنه، ويشعر بأنه حان لأن يبادله الوفاء بوفاء، وهذا ديدنه دائما، والمستقبل يحمل في أفقه مبشرات وآمالا عريضة، ستكون واضحة عما قريب، حين تنتهي المشروعات الضخمة وتؤتي ثمارها، إلا أن المهم هو انتقال المواطن في تجربته تلك من مرحلة طغت فيها حياة الاستهلاك على نمط حياته، إلى نمط جديد، يصبح فيها المواطن عنصرا منتجا مخططا مرشّدا، وهي ثقافة يجب اكتسابها وتعلمها، ولذلك كم هو جميل لو بدأنا حواراتنا بـ«كيف»، كيف نصنع من حياتنا حياة غير مكلفة نعيشها، دون أن نضع أنفسنا داخل أزمات معيشية خانقة تدخلنا في ضيقات مالية نحن في غنى عنها، وذلك من خلال اتباع نمط ترشيدي يصبح هو المشكل لكل جوانب حياتنا المعيشية، كيف نصنع جيلا يفكر في العطاء أكثر من تفكيره في الأخذ، كيف نجعل من المرحلة القادمة عنوانا في مجمله يقدم «ثقافة الترشيد والتوفير» على ثقافة «الإسراف والتبذير» اللذين هما صفتان ينهي عنهما ديننا الحنيف، الذي يحضنا على أن نأكل ونشرب ونعيش بلا إسراف ولا تبذير، ونأخذ بمبدأ الحاجة، وفق قاعدة وسطية «لا تقتير ولا إسراف»، أتذكر أني قرأت قديما فصولا عن حياة «مارغريت تاتشر»، تلك المرأة الحديدية، رئيسة وزراء بريطانيا في فترة الثمانينيات الميلادية من القرن الماضي، إن لم تخن الذاكرة أنها كانت «تعمل في مكتبها المنزلي وهي تقلب أوراق العمل تحت ضوء مصباح واحد بسيط، وتتأكد أن كل المصابيح في كل الغرف التي لا حاجة لأحد فيها مطفأة، درس في الترشيد كنت أقرؤه عنها، ولهذا دعونا نقول صراحة مع الأسف، هذه الثقافة «غائبة» عن منازلنا، أو لنقل عن بعض منازلنا، فالمصابيح مضاءة بحاجة وبدون حاجة في كل غرف البيت، وقد تبقى لساعات من نهار اليوم التالي مضاءة، واستعمالنا الماء يتم بلا حساب من كل أفراد الأسرة، وكأن كل بيت يرقد فوق نهر من الماء، حتى قيل في دراسة عن معدل استخدام الماء، إن السعودية تحتل المرتبة الثالثة في العالم في استخدام الفرد السعودي للماء، بالرغم من أن بلادنا ليست بها أنهار، وتعد من الدول قليلة الأمطار.
تخيلوا أن معدل استخدام الفرد السعودي للماء يوميا يبلغ 380 لترا، مقابل 180 لترا للفرد عالميا! وتخيلوا أن مئات الأطنان من الأرز، وفائض الطعام تدفق في الحاويات تخرج من بيوتنا، وفي المناسبات تزداد النسبة إلى آلاف الأطنان، وتزداد النسبة عاما بعد عام! وهناك إصرار عجيب على «تضخيم» المناسبات الاجتماعية عندنا، رغم أن كبر المناسبة أو صغرها لا علاقة له بتحقيق السعادة أو الفرح! لذا علينا أن نزرع قيمة الترشيد، ونعتني بقيمة التوفير في الاستهلاك، ونبرز قيمة المحافظة على مكتسبات الوطن، فالماء والكهرباء والغذاء وغيرها، هي اقتصادنا الوطني ومقدرات الوطن الذي هو ملك للجميع، لا بد من غرس قيمة المحافظة على مكتسبات بلادنا في عقول الناشئة، وهو دور منوط بالأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، والمسجد أيضا، ولا بد أن يتعلموا فن الادخار والاستهلاك وتنظيم حياتهم المعيشية، فيكفينا مشاهد حاويات النفايات عند منازلنا تستقبل من فائض الطعام، وما يدفق فيها بعد المناسبات الاجتماعية من كميات مهولة من «اللحم والأرز»، ودفعنا عربات التسوق التي تمتلئ بأصناف المواد الغذائية والسلع فوق حاجة الأسرة، هذا ما قصدته من المقدمة التي بدأت بها مقالي، وبدلا من أن نكثر من سؤال «كم جاءك؟» ونخلق حول حساب المواطن هاجسا، علينا أن نتحول بالسؤال إلى «كيف» نخطط لثقافة استهلاكية غير السابقة، عنوانها الترشيد المنظم.
 

محمد فايع        2018-01-27 11:37 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 2 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • كل ما نحاط به نعم وشكر الله تعالى على نعمه ، والمحافظة عليها من أهم أسباب دوامها. وأختلف مع الأخ صالح حيث إن المسجد او "الدين" هو أساس تصرفاتنا وحياتنا، ولذلك نؤجر على عادات اذا صلحت النيات "قل إن صلاتي ونُسُكِي ومَحْيَاي ومَمَاتِي لله رب العالمين " Mohammad
  • يقول الكاتب أن الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام والمسجد منوط بها المحافظه على [ قيمة المحافظة على مكتسبات بلادنا في عقول الناشئة،]. ليت الكاتب لم يقحم المسجد في هذا الشأن. وظيفة المسجد تختلف عن الكنيسة والتي تشابه المدرسة في النشاطات الإجتماعيه/الثقافيه. المسجد مكان للصلاة وما يرتبط بها من خطب. saleh

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال