الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الخليفة والخلافة ببساطة

صحيح أن في تاريخ الخلافة لحظات صعود كثيرة، لكنها على كثرتها ليست الغالب، إنما الغالب هو الهبوط، والأصل أن الأحكام تجري على الغالب لا على لحظات مشرقة من عمر الأمة

حين استلم «عمر بن الخطاب» الأمر من بعد «أبي بكر الصديق» رضي الله عنهما لم يستشر فلاسفة ومفكرين ولا خبراء محللين ليوضحوا له الفروقات اللغوية بين مصطلحي الخلافة والإمارة وطبيعة عمل كل منهما، لم يراجع كتباً وبحوثاً ودراسات ليستنبط أن لقب «خليفة رسول الله» لا ينطبق عليه أبداً، إنما هو خليفة أبي بكر، وكان الصحابة فعلاً ينادونه بـ«خليفة خليفة رسول الله» إلا أنه استثقل الأمر، واستشار الصحابة في المسألة ليشيروا عليه بأن يتخذ لقب «أمير المؤمنين»، فأخذ به، وتبعه في هذا الأخذ كل من «عثمان وعلي»، حسناً، بنفس البساطة كان من المفترض هنا أن يموت مصطلح خليفة، وتموت الخلافة بموت «أبي بكر الصديق» لتتحول المسألة برمتها إلى إمارة، أن تتحول إلى مسألة دنيوية سياسية وليست إلهية مقدسة.
إلا أن ما حصل في حقيقة الأمر أنه جرت عملية تمطيط مبالغ فيه لمصطلح «خليفة» تمطيطاً غيَّر تماماً ذلك المعنى البسيط الذي فهمه الفاروق، أصبحت خلافة رسول الله مجرد واجهة فقط تخفي حقيقة أن الخليفة بات خليفة الله مباشرة، وظله الوافر، والوكيل الحصري عنه في تسيير دنيا ودين الخلق، الذي حصل أن التراث ألبس «عمر وعثمان وعلي» ثوباً رفضوا هم ارتداءه، قالوا إنما نحن أمراء، وقلنا بل خلفاء ولو بالإكراه! وليت الأمر توقف عندهم - رضي الله عنهم- لكنه امتد واتسع حتى شمل كل من جاء بعدهم بدءًا من معاوية، وصولاً إلى «عبدالمجيد الثاني» المتحالف بالأمس القريب مع النازية الألمانية! 100 حاكم كلهم خلفاء الله وأولياؤه وظله الوافر على الأرض، إن غضِب أي منهم غضب الله لغضبه، وإن ابتسم أمطرت السماء، فأين الخلل؟
في عام 1979 وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران، خرج الخميني بنظرية «ولاية الفقيه» التي تنص على جواز تولي شؤون البلاد والعباد بالنيابة عن الإمام الغائب المعصوم، شريطة أن يكون النائب فقيهاً عالِماً بالأحكام الشرعية، وبهذا فالولي الفقيه هنا يشارك الإمام المعصوم في الوظائف، ولا يشاركه في العصمة والقداسة، فالهدف الحقيقي من نظرية الولي الفقيه أن يتحول الخميني إلى نصف إله، يملك زمام دين الناس ودنياهم، السؤال هنا: من أين استلهم الخميني نظريته؟! هل شطح به الخيال وابتدع مفهوماً جديداً، أم أن ولاية الفقيه في حقيقتها محاكاة للخلافة؟ فالولي الفقيه ينوب عن الإمام، والخليفة ينوب عن الرسول، وكلاهما كاذبان، صحيح هنالك اختلافات عديدة بين الفكرتين، لكن المبدأ هنا واحد، مبدأ إمساك السلطة الدينية والدنيوية بقبضة واحدة، وهذا هو الخلل.
المشكلة حين يعطي الحاكم لنفسه صلاحيات تحوله إلى نصف إله، فيرسم خطط عمل الوزارات والبلديات، ويرسم طرق الناس إلى الجنة والنار، ليست المشكلة في الخميني فقط رغم أنه بتفكيره وعقليته مشكلة بحق، إنما المشكلة في حالة انفصام الشخصية التي تصيب كل من يعيش نصفه في الأرض ونصفه الثاني في السماء، ولو نجح «جهيمان» في مسعاه أو نجح «الإسلامبولي» قاتل السادات، أو نجح أيٌ من هذه الكائنات، لأصبح لدينا في كل رقعة خميني.
إن الحديث هنا ليس عن فرضيات وتكهنات، إنما عن حاضر ملموس العمل فيه قيد التنفيذ، بالأمس القريب هلل الإخوان ورقصوا لا لأنهم حكموا مصر، إنما لأنهم بحكم مصر أصبحوا قريبين جداً من تحقيق غايتهم العظمى المتمثلة في إقامة الخلافة، وحين سقطوا، وتم تشريدهم، لم ييأسوا أبداً، إنما اتجهوا فوراً إلى تركيا، ومن هناك أخذوا يبشرون ويخططون جدياً لإعادة إحياء الخلافة العثمانية، وهكذا يتضح أن هدف الجماعات الإسلامية كلها ليس إحياء خلافة بعينها، إنما أي خلافة والسلام، كل جماعة تحاول أن تصنع خلافتها المستقلة فتفشل، لكنها لا تيأس، وهكذا تحالف جميعهم مع إيران التي يحكمها ملالي يحملون نفس الهستيريا، ففضحهم الله وتعروا، لكنهم لم ييأسوا أيضاً، إنما اتجهوا جميعاً إلى تركيا، وأخذوا يبشرون، بل ويعملون على إحياء الخلافة العثمانية.
فما هي الخلافة عموماً والخلافة العثمانية تحديداً، والتي يتم التبشير بها والعمل على إحيائها اليوم؟ للجواب اتجاهان، الأول مسكوت عنه، والثاني خرافات يتحدث عنها الكل، أما الخرافات فقولهم إن الخلافة واجب شرعي، وأنه لا عز للمسلمين إلا بها، وأن الخلافة العثمانية هي السد الأخير الذي حين سقط تقهقر المسلمون، هذا ما يُقال بكثرة، أما المسكوت عنه فإن الخلافة عموماً والعثمانية تحديداً مجرد قصور وغلمان وجوارٍ، وعبيد وإماء، واغتيالات عنيفة لا حصر لها، الأخ قتل أخاه، والأب قتل أبناءه حفاظاً على الكرسي، صحيح أن في تاريخ الخلافة لحظات صعود كثيرة، لكنها على كثرتها ليست الغالب، إنما الغالب هو الهبوط، والأصل أن الأحكام تجري على الغالب لا على لحظات مشرقة من عمر الأمة، أول من سارع إلى إطفائها ووأدها دول الخلافة والخلفاء.
 

أمين طلال        2018-01-25 11:38 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 15 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • تركيا إردوغان الان تعتبر نفسها وريثة (إرث دولة الخلافة) باعتبار أن سلاطينها عندما "استعمروا" بلاد العرب لسبعة قرون تقريبا كانوا يلقبون ب"الخلفاء" .. وهنا يلحظ طموح الأتراك في استعادة امبراطوريتهم على حساب الأرض العربية فنجدهم ينشئون لهم قواعد عسكرية هنا وهناك .. حلمهم كحلم الإيرانيين .. وخاصة وأن المشاكل البينية بين العرب غير مسبوقة .. غرم الله قليل
  • يسعى الإيرانيون لتصدير ثورتهم/ مذهبهم أملا في أن يكون إمام المسلمين / خليفة المسلمين منهم : ساساني الأصل .. غرم الله قليل
  • سيكتشف الشيعة العرب- ولكن ربما متأخرين- أن ثورة الخميني التي نجحت بسبب رعاية الغرب لها أن هدف الخميني الأساس إعادة مجد الساسانيين، وليس رفعة الإسلام كما كان يدّعي.. وهنا نسأل المضحوك عليهم من الشيعة العرب:هل حج الخميني؟هل حج السيستاني؟ الجواب: لا.. ربما لاعتبارهما أن ((كربلاء)) هي من يجب الحج اليها وفيها،وليست مكةالمكرمة.. ثم أن السيستاني لا يجيد العربية فهو مولود في مشهد الإيرانية ولغته فارسية وطلب منه أن يتقدم بطلب الجنسية العراقية فأعطيت له .. هل تزوج ؟ ولِمَ لا ؟ غرم الله قليل
  • في أيام الحرب في أفغانستان نيابة عن العم سام كان الطالبانيون العرب / الأفغان العرب / العرب الأفغان / الصحويون / القاعديون يعظون الناس بنزع البيعة من الحكام ويقولون في أشرطة وعظهم (لا تحية لعلم الا لعلم الخلافة ، ولا ولاء لحاكم الا لخليفة الإسلام المنتظر).. وكان أعظم واعظ عندهم هو : الحسن البنا ، يليه سيد قطب .. وكثر حينئذٍ التكفير بالجملة وبالمفرّق ! غرم الله قليل
  • الفترة الوحيدة من حكم " الخلافة" التي تذكر بالخير ، والتي كانت على " عهدة النبوة" هي التي ابتدأت بخلافة أبي بكر وانتهت بمقتل الخليفة الرابع / علي بن أبي طالب - كرم الله وجهه .. ما تلاها هو توارث حكم وتمجيد لكراسي الحكم ، كالكرسي الأموي والكرسي العباسي والكرسي الأيوبي والكرسي المملوكي..الخ. غرم الله قليل
  • الخلاصة أن تجربة العرب مع خلافة العثمانيين تجربة مريرة .. غرم الله قليل
  • حكم الأتراكُ العربَ أكثر من سبعة قرون ولم يضيفوا للعرب شيئا يذكر - بل جعلوا حكمهم "العصملي" حكم جباية وقبض ضرائب تؤخذ من الناس وتبعث للأستانة/ لإستانبول .. فلا خير أتى منهم ولا من حكمهم .. واستغل الأتراك "مظلة الدين" لينفوا عن أنفسهم بأنهم مستعمرون - وليقال أنما هم "دولة خلافة" .. غرم الله قليل
  • لماذا الدول العربية لم تجن من خلافة بني عثمان الا الحصرم والجهل والفقر ؟ إذ لا مدارس تبنى ، ولا مصانع تنشأ ، ولا علوم تنشر ؟ غرم الله قليل
  • هل الخلافيون اليوم يبشرون بخلافةالخلفاء الراشدين؟أم بخلافة بني أمية؟ أم بخلاف بني العباس؟ أم بخلافة بني عثمان؟ ولماذا كل خلافة تمجد نفسها وتقلل من شأن سابقتها؟ وهل صحيح أن بني العباس كانوا يسخطون ويذمون بني أمية من على المنابر؟ ولماذا كل خلافة تجعل خطباء الجمعة يجعلون المصلين يأمنون على الدعاء لها بالتمكين وطول الحكم؟ هل حب"الكرسي"هو السبب الأول؟ غرم الله قليل
  • من تغريدة للأستاذ الدكتور علي عودة الغامدي #قال_الخميني (سنسفك دماء النواصب،ونقتل أبناءهم،ونستحيي نساءهم.. وستكون أموالهم خالصة لشيعة أهل البيت،وسنمحو مكة والمدينة من على وجه الأرض،لأن هاتين المدينتين صارتا معقل الوهابيين،ولابد أن تكون كربلاء قبلة الناس في الصلاة)..حسين الموسوي : لله..ثم للتاريخ ص 87 غرم الله قليل
  • (تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، ثم تكون ملكا عاضا ، ثم تكون ملكا جبرية ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ) الحديث .. ليتنا نجد هنا فقيها يشرح لنا الحديث .. غرم الله قليل
  • في مرض الرسول - صلى الله عليه وسلم - الأخير .. والتفكير في كرسي الحكم كان موجودا ،، فعندما كان الرسول يحتضر كان رهط من الصحابة يجتمعون في السقيفة يفكرون في اختيار خليفة للرسول - بأبي هو وأمي .. غرم الله قليل
  • هل يتكرر مثل أبي بكر ، الفاروق ، عمر بن عبد العزيز ؟ أم أن ذلك يندر ؟ غرم الله قليل
  • كثير ممن كان خليفة تمت تصفيته .. أبن الخطاب ، ابن عفان ، ابن أبي طالب ، الحسن بن علي الخ. ! غرم الله قليل
  • العبرة بالزاوية التي ينظر منها المرء للأمر ! غرم الله قليل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.