الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

ليش نسافر

كم هو جميل أن يكون باعث السفر الأساسي هو الاستمتاع بمعالم البلد الذي تم اختياره للسفر، بزيارة المواقع التاريخية، والحدائق التي تجذب زائريها

صدفة التقيت بصديق لي باعدتنا مشاغل الحياة طويلا عند بائع الحقائب، وبعد حديث قصير، أخبرني عن سر وجوده هنا، وبنيته حزم حقائب السفر إلى دولة استهوت سياحة الأسر السعودية مؤخرا، فسألته هل قرأ عنها، هل يعرف عملتها النقدية، أين سيسكن؟ هل تحتاج إلى تأشيرة دخول؟ هل أعّد لرحلته جيدا؟
 فمما لاشك فيه أن للسفر نكهة خاصة عند عشاق الترحال، رغم ما يكتنفه من مشاعر مختلطة بين الوداع واللقاء، ولكي تكتمل متعة السفر فلابد من التخطيط له، بدءا بحجز المواعيد، ثم ميزانية الرحلة، مرورا ببرامجها المقترحة مع الاستعانة بمواقع السفر في الإنترنت لمعرفة المعالم السياحية للبلد، ومعرفة أنسب مواقع الإقامة، وانتهاء بعودة المسافر إلى وطنه، وقد حقق شيئا من أهداف رحلته، فالرحلة عادة ما تكون أياما سرعان ما تنتهي، وفي حقيبة المسافر من الذكريات ما يستحق توثيقه من صور وحكايات، أثمنها حصيلته من زاد السفر من تجارب سيضيفها إلى رصيد خبراته في الحياة، وما سيضفيه على نفسه من سعادة وبهجة وراحة بال، نتيجة تغيير نمط حياته خلال فترة الرحلة، مما سيساعده على إعادة شحن نفسه بطاقات إيجابية واكتساب عادات جديدة، ستعينه على العمل والإبداع؛ من هنا فالسفر من هذا المنطلق، ووفق هذا المفهوم، يُعد تجربة ثرية في حياة الإنسان يتجاوز مفهوم الترف والمفاخرة بالسفر، كما يعتبر حاجة نفسية من حاجيات الإنسان.
وللسفر غايات وأهداف لخصها الإمام الشافعي في بيتين من الشعر وهو يقول «تغّرب عن الأوطان في طلب العلا.. وسافر ففي الأسفار خمس فوائد /‏ تفريج هّم واكتساب معيشة.. وعلم وآداب وصحبة ماجدِ» كما أن السفر يُعد مصدرا من مصادر الثقافة، فإلى جانب كونه استراحة للمسافر من عناء العمل، ومشاق الحياة وضغوطها؛ فهو يتيح للمسافر فرصة اكتشاف جوانب كثيرة من الحياة حوله، والكاتب المصري، مصطفى أمين كان يقول عن السفر «سفرة واحدة تغني عن قراءة ألف كتاب»، وهو يقصد أن المسافر قد يتعرف على أماكن جديدة سيزورها، ويكتسب معارف لا يعلمها من قبل، ويستمتع بممارسة هوايات لم يستطع أن يمارسها إلا في السفر كالقراءة والرياضة، وسيتعرف على عادات الشعوب وثقافاتهم وحضاراتهم وتقاليدهم من خلال الواقع.
 ولذلك فإن استفتاح الرحلة لأي بلد بزيارة «متاحفه» التي تعكس ثقافته، وتلخص تاريخه، وتحفظ هويته، وتقدمه ولو بشكل سريع ومختصر للآخرين من الأهمية بمكان، فكم هو رائع أن تكون «المتاحف» هي البوابة الأولى للمسافر التي يقصدها للدخول عبرها إلى تاريخ البلد المزور، فعن طريقها سيتعرف على تراث البلد وتقاليد أهله وتاريخهم، وسيتعرف على عاداتهم وحضارتهم، وأنا حينما أعود بالذاكرة إلى بواكير عمري وعلاقتي بالقراءة، وأنا أكتب عن السفر كثقافة، تذكرت أن من الكتب القريبة إلى نفسي التي استمتعت بقراءتها آنذاك، كتاب الراحل أنيس منصور المعنون بـ«حول العالم في 200 يوم» الذي لخّص فيه رحلاته إلى «الهند وسنغافورة واليابان وسيلان وأميركا وجزر الهاواي وأستراليا» وغيرها، مما جعلني أتخيل نفسي وأنا أقرأ الكتاب، كما لو أني كنت برفقته في الرحلات إليها، كان يصف جغرافية البلدان التي زارها، ويكتب عن أهم ملامح رحلته إليها، فيضع القارئ أمام وصف لعادات شعوبها، وأدب الرحلات من الفنون المغرية للقراءة، كقراءة ما كتبه ابن بطوطة والمقدسي والإدريسي.
 فكم نحن نشعر بحاجتنا إلى السفر كثقافة، ومن الخطأ أن تضيع أيام الرحلة في زيارة شوارع بعينها، باتت تعرف زائريها أكثر من أهلها، وعدم تجاوزها إلى غيرها طوال الرحلة، وكأن المسافر لا يعرف غير هذا الشارع في هذا البلد، بينما خيارات الرحلة متاحة للاستفادة من كل لحظات الرحلة، كزيارة المهرجانات، وحضور الفعاليات الثقافية، ومزاولة الهوايات المحبّبة، ودائما ما أقول لبعض الزملاء حينما يخبرونني بعزمهم على السفر، حاولوا الخروج من نمطية السفر التقليدي المعروف عند بعض الناس، واستفيدوا من كل ساعات الرحلة، ولا تنسوا وضع برنامج للرحلة لتستمتعوا بها، على كل حال، كم هو جميل أن يكون باعث السفر الأساسي هو الاستمتاع بمعالم البلد الذي تم اختياره للسفر، بزيارة المواقع التاريخية، والحدائق التي تجذب زائريها لتقدم لهم الثقافة البيئية، والأسواق الشعبية التي تعبق برائحة الماضي، والمتاحف التي قلت إنها تعد نافذة معرفية يطل من خلالها المسافر على تاريخ البلد المزور.
 فمفهوم السفر يعني كسب المزيد من الثقافة والفكر، وتجاوز مفهوم نحن نسافر كي نلتقي في ذلك الشارع، أو لنستعرض آخر موديلات سياراتنا التي لم نصنع فيها مسمارا واحدا. في النهاية، أودعكم بوصية أعرابية لابنها وهو على سفر: يا بني إنك تجاور الغرباء، وترحل عن الأهل والأصدقاء، ولعلك لن تلقى غير الأعداء، فخالط الناس بجميل البشر، واتق اللّه في العلانية والسر.
 

محمد فايع        2018-01-15 10:51 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • بجد ... هذه هو سفر المتعة والثقافة ... راحة بال وغذاء عقل وترويح عن النفس • كسبت من صديق عزيز قبل ٣٠ سنة قبل أن أسافر اعرف لما السفر وماهي عادات واماكن وتاريخ البلد المقصود وعادت بي الذاكرة في هذا اليوم من خلال هذا النص المتميز ابو حسام
  • من المتعارف عليه عالميا ان السائح بحاجة لشيء من الثقافة ، لدينا المستثمر السياحي بحاجة لدورة لمعرفة مفهوم الاستثمار السياحي متعب الزبيلي
  • تتصل على احدى بيوت السياحة في العالم ويهتمون بك ويتواصلون معك لحظة بلحظة وتصلهم وتجد كل ما تم عليه الاتفاق ان لم تجد إضافة مميزات ، وتتصل عندنا من الشارع مقابل الشقق تريد ان تسأله عن السعر يقولك ضروري تكون موجود تقوله أنا قدامك بالشارع يقول لابد ، تجيه يقولك ماعندناش غرف 😏 متعب الزبيلي

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال