الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

إحياء المدارس الخاوية

يمكن بالقليل من التنسيق بين الجهات، وبتحرير تفكيرنا من بيروقراطية فكرة المكعب المدرسي الجامد، صناعة خطة إستراتيجية وشبكة مثمرة بين الجهات المختلفة لإشغال وقت الأطفال والشباب، ولتوفير فرص وظيفية صيفية

تمتد إجازة المدارس في بريطانيا إلى 6 أسابيع، ومع قصر هذه الفترة إلا أن الأهالي يشتكون من طولها ويطالبون بتقصيرها 4 أسابيع، لأنهم يشعرون أن أبناءهم يخسرون وقتا ثمينا من حياتهم، ولأن بعضهم بكل تأكيد يحتار ماذا يفعل مع أبنائه طوال هذه الفترة. يشتكي البريطانيون من طول الإجازة وحيرتهم فيها، هذا مع وجود الحدائق العامة المجهزة بالملاعب للرياضات المختلفة، ومع وجود مراكز الشباب شبه المجانية التي تقدم دورات في مهارات الحياة في كل حي، ومع استنفار المكتبات العامة بالبرامج الموجهة للأطفال والشباب، ومع وجود مراكز ترفيه غير مدفوعة وأخرى مدفوعة تناسب احتياجات الجميع، إلى جانب وجود مراكز تعليمية للرياضيات واللغات والهوايات المختلفة، وإتاحتها الفرصة للطلاب بتعليم مهاراتهم لأقرانهم، أو العمل بمبالغ زهيدة يجني فيها الأطفال والشباب شيئا من كسب يديهم. أعرف هذا، لأن صديقة لابنتي لا يتجاوز عمرها الـ12 تساعد في مركز تعليم رياضة الفروسية في الحي، وتتقاضى مبلغا رمزيا «جنيه إسترليني» من كل متدرب تساعده، مما يعني أنها تتقاضى تقريبا 14 جنيها في يوم عمل.
إن الإجازة في بلادنا طويلة جدا، 4 أشهر تعيشها الأسر بالطول والعرض، ويتحول فيها النهار ليلا والليل نهارا عند بعضهم، ويعاني الأهالي فيها كثيرا لشغل أوقات فراغ أبنائهم وبناتهم بما يعود عليهم بالفائدة، فضلا عن قلة الخيارات المتاحة للأسر، وغلاء أسعار البرامج الصيفية في بلادنا التي تلتهب في الصيف، وتقارب درجة الحرارة في غالب أجزائها الخمسينات، مما يجعل الوجود خارج المباني المكيفة فكرة غير عملية.
وإذا أضفنا أن هناك أكثر من طفل وشاب في بعض الأسر، مما يضاعف التكاليف المادية لتسجيلهم في المراكز المتاحة في الصيف، ويثقل كاهل الأسر المثقلة سلفا بالفواتير وتكاليف الحياة.
ولا يخفى على أي تربوي أو حتى على الآباء والأمهات أن غياب مساحات التعلم في الإجازة الطويلة يُنسِي الطالب غالب ما تعلمه خلال العام الدراسي، مما يعني عودة ضعيفة في بداية العام الجديد. ما الحل أو الحلول المقترحة في مثل هذه الحالة؟
إذا بدأنا من الملاحظة الأخيرة أعلاه، وهي نسيان المنهج، فإن الجزء الأول من الحل يتمثل في تقليص أسابيع الإجازة في بلادنا إلى المعايير المقبولة عالميا، بحيث لا يقضي المتعلمون ثلث أشهر العام مجازين رسميا من مؤسسة التعليم، والتي تعدّ وظيفتهم الحالية في الحياة.
أما بقية التحديات، فلعل السبيل الأهم لمواجهتها يكون بتضافر جهود وخطط كل مؤسسات الوطن من الوزارات والجامعات والمؤسسات الحكومية والأهلية الأخرى، للعمل على تفعيل دورها في المجتمع، ومدّ يد الشراكة الاجتماعية خلال تقديم برامج صيفية مجانية أو بأسعار رمزية، تخدم شريحة الأطفال والشباب وتطفئ فضولهم الفطري للتجربة والتعلم.
أقترح على وزارة التعليم أن تتيح فرصة إحياء المدارس الخاوية في الصيف للجهات المختلفة من وزارات ومؤسسات، بل وللأفراد المؤهلين، وذلك بالتنسيق مع إدارات التعليم أو مع المدارس مباشرة خلال قائدي وقائدات المدارس، بحيث تتم دعوة الجهات لتقديم دورات مختلفة، كلٌ في مجاله في مدارس الأحياء.
تصوروا معي أن تفتح المدارس التي لا تحتاج إلى صيانة مطولة في الصيف أبوابها، وتكون مركزا للحي يستضيف ممثلي الجهات الرسمية لتقديم دورات في التفكير الناقد، التجويد والحفظ، مهارات الكتابة الإبداعية، دورات الإسعافات الأولية، ودورات في تعلم واستخدام اللغات الأجنبية بمستويات مختلفة، دورات في تعليم فن الطهي من المطابخ العالمية، فنون الخط العربي، البرمجة والمهارات الحاسوبية الأخرى، صيانة الأجهزة الخفيفة، الرسم والنحت والفنون، تنسيق الزهور والعناية بالنباتات الداخلية، فن صناعة القهوة، مهارة القراءة السريعة ومهارة إدارة الوقت والتطوع الفعّال، وغيرها من المهارات الضرورية للحياة، والتي لا تحتاج إلى المساحات الواسعة.
كل هذه المهارات يمكن تقديمها بحيث تشغل وقت أبنائنا وبناتنا فيما يفيدهم، وقد يكتشف أحدهم خلال هذه الدورات شغفه الخاص، ويعمل لاحقا على تحويل هوايته إلى مهنة للحياة. يمكن لوزارة التعليم -إن أرادت ذلك طبعا- إضافة لمسة التميز للبرامج التي تقام في مدارسها خلال تسجيل المهارات المكتسبة في السجل المهاري لكل طالب، بحيث تضاف للناشئ كنقاط للمفاضلة لاحقا عند تقدّم الطالب للجامعة، أو لأي من برامج الموهوبين أو المميزين، أو حتى لبرنامج الابتعاث، كما هو الحال في جهات أخرى من العالم.
خلاصة القول، من القواعد الثابتة في التربية «أشغل وقت فراغ الناشئ أو سيقوم هو بإشغالك»، تتكرر شكوى البيوت كل عام من طول الصيف، ويتبادل الجميع الاتهامات دون أن نقف لنفكر أن تكرار الممارسات ينبئ باستمرار التحديات.
لا يستطيع الجميع السفر خلال الصيف، ولذلك لا بد من توفير بدائل عملية ومقبولة ومتجددة. كما لا يتوافر المكان المناسب لكل الجهات أو الأفراد لاستضافة من ترغب في تدريبهم أو الوصول إليهم!
يمكننا بالقليل من التنسيق بين الجهات، وبتحرير تفكيرنا من بيروقراطية فكرة المكعب المدرسي الجامد، صناعة خطة إستراتيجية وشبكة مثمرة بين الجهات المختلفة لإشغال وقت الأطفال والشباب، ولتوفير فرص وظيفية صيفية لطلاب الجامعات أو للموظفين الذين يريدون استثمار إجازاتهم من موظفي القطاعات الأخرى.
توجد حلول لكل تحدٍّ، وعلينا فقط أن ننظر إلى إمكاناتنا ونتصرف خارج منطقتنا الآمنة، وأن نكسر قيود التعود التي ألفناها وتكاسلنا عن تغييرها، ونحلّق بأجنحة واثقة لتحقيق حلم الرؤية الطموحة للوطن.
 

نادية الشهراني        2017-08-02 10:53 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال