الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

عادت أعيادك يا وطن

نستعد في هذه الأيام لطيّ صفحة شهر رمضان المبارك واستقبال عيد الفطر السعيد، فكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله منّا ومنكم صالح الأعمال..
لا يوجد شعور أجمل من صباح العيد في الوطن، وخصوصًا إذا صافحتْ عيناك فيه وجه أمك ووجوه بقية أحبابك، أو حين تطوِّق طرفي هذا النهار بلقاءات أسرية لطيفة تتردد فيها عبارات المعايدة، وتتقلب روحك فيها بين مشاعر الحب والفرحة بالتوفيق لاتمام الفريضة، وإقبال العيد، فتقبل الله منّا ومنكم صالح الأعمال، وأعاد علينا وعليكم الأعياد ومواسم الطاعات ونحن وهذا الوطن العظيم بألف خير.
قبل أيام وفي هدأة الساعات الأولى من صباح يوم رمضاني في الطريق لمكتبة الجامعة التقيت بعالية، سيدة بريطانية من أصول صومالية. عرفت منها أنها عاشت في السعودية عشرين سنة قبل أن تضطر للمغادرة. أضافت وهي تحاول أن تغالب غصة يعرفها من تجرع الغربة (تمنيتُ الجنسية السعودية بكل ما في جوارحي من مشاعر، ولو خيروني في كل جنسيات الدنيا لم أكن لاختار إلا السعودية، أحب حتى ترابها).
تلقت هذه الشابة تعليمها الأساسي في السعودية وانتهى بها المطاف لاجئة في بريطانيا، فالتحقت بالجامعة وهي الآن تحمل الجواز البريطاني، كما حصلت على الماجستير في التمريض، وتعمل حاليًا في مستشفى محلي في ليستر، كما تشرف على بعض الأبحاث بالتعاون مع الجامعة. تقول عالية: (أشعر بالانتماء لكل ما هو سعودي، أكلِّم كل سعودية أقابلها لكي لا أنسى اللهجة وسأعلِّم أبنائي حب هذا البلد، فهو وطني، ولا أشعر بالحنين إلا له إذا دار الحديث عن الأوطان). ربما يكون أكثر ما لامس قلبي من حديث عالية قولها: (حصلتُ على كل شيء أتمناه هنا بل وأكثر مما أتمناه لحياةٍ كريمة ولكني لا أشعر بالأمان! لم أشعر به في حياتي كما شعرت به في المملكة). استطاعت عالية أن تسكب مشاعرها في قلبي دفعةً واحدة حين قالت: (أحتفظ بالكثير من الصور والمقاطع المصورة لمكة وجدة، وكلما أصابني القلق من المستقبل أغمر نفسي بهذه الصور وأسترجع شعور الأمان الذي شعرت به عند التقاط تلك الصور، لقد وجدت أن هذه هي الوسيلة الأمثل لي لأستطيع ابتلاع هذه الغربة المزدوجة عن السعودية وعن أهلي، فالحكومة السعودية لم تفتت أسرتنا كما فعلت الحكومات الأوروبية التي مزقتنا في الأرض! حين استقبلتني بريطانيا ولم تمنح والديّ المسنين الفرصة ليكونوا معي أنا وأختي، فتوجها مع أخي الأصغر لهولندا، أما أخي الأكبر فقد رفضت الدولتان استقباله واضطر للذهاب للنرويج. لقد انتهى معنى الأسرة في حياتنا بمغادرتنا للسعودية، ولم نجتمع منذ ذلك الحين تحت سقفٍ واحد).
سألتها: ما الخطة الآن يا عالية؟ قالت (أحاول العودة للعمل والحياة في السعودية لأرد جزءًا من الدين ولأنعم بجوار خير البشر صلوات الله وسلامه عليه، ولأربي أبنائي في الأرض التي درج فيها نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه).
عالية حقيقةً ليست الشخص الوحيد الذي التقيتُ به ممن يشاركنا حب هذا الكيان العظيم. ملايين المسلمين حول العالم ترفّ قلوبهم بالحب للمملكة ويحتضنونها في قلوبهم مثلنا ويشاركوننا هذا الشغف. عندما يتحدث غريب عن شعوره بالانتماء والحب لوطني أشعر بالفخر وفي نفس الوقت تقرص قلبي غيرة الابن على أمه، وكيف لا أغار عليها وكل هؤلاء البشر ينازعونني رداء حبها وتبادلهم هي الحب والعطاء بمثله. لم ترتبط هذه المحبة بارتباط الكيان السعودي بالإسلام وخدمة حكامنا حفظهم الله النوعية لديننا العظيم وللحرمين فقط، بل هناك من غير المسلمين من عاش بيننا وغادرنا لبلاده لكنه لا زال يحمل لوطننا محبة صنعتها المواقف الطيبة لغالبية أبناء هذا الشعب، والشواهد على هذا كثيرة.
كان حديثي مع عالية حول وطني هو عيديتي المعجّلة التي أثمرت بركةً في يومي كله. أحاديث البسطاء عن الخير الذي رأوه في بلادنا تسعدنا لأنها خالية من أي مطامع ودافعها هو حبهم وتقديرهم المستحق لهذا الوطن فقط. هل يمكن لعالية ولأمثالها أن يكونوا جزءًا من قوتنا الناعمة حول العالم؟ بكل تأكيد نعم والنماذج التي نلتقيها في الغرب تؤكد ذلك، بل هم كنز ينبغي لممثلياتنا في الخارج أخذه بعين الاعتبار، من خلال مدّ جسور التعاون معهم واستثمار محبتهم بطريقة ذكية وفعالة وراقية، لتمرير الصورة الذهنية التي يحملونها عن وطننا في أوطانهم، خصوصا ونحن نرى تزايد أعداد الجاحدين ممن لم يثمر فيهم لا المعروف ولا القربى ولا أواصر الدم أو المستقبل المشترك. أدام الله عزك يا وطني، وكل عام وأنت العيد والسعادة والنصرة لأبنائك ولمحبيك حول العالم.
 

نادية الشهراني        2017-06-22 12:28 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال