الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

أفافا أينوفا أساطير منسية

أسطورة من أساطير الأمازيغ، اليوم سأحدثكم عن حكاية قديمة قدم القرون العديدة التي مرت عليها، اشتهرت في دول المغرب العربي، بالطبع تمر القصص بتغيرات وإضافات وهي تعبر من جيل إلى آخر، ولكن تبقى روح القصة هي الطاغية على مسار الحكاية، واللافت والمثير للتفكير في هذه الحكاية بالذات أنك ـ وأنت تقرؤها أو تستمع إليها، والأفضل الاستماع لمثل هذا النوع من الحكايات ـ أنك تشعر وكأنك ترى أمامك قصة ليلى والذئب! والجدير بالذكر أيضا أننا إن بحثنا عن جذور الكثير من السلوكيات المحيرة في زمننا هذا، نجد أن بعضها نبت من رحم أسطورة! تماما كما أن بعض القصص بعد البحث تجد ليس فقط أنها عابرة للثقافات والتراث العالمي، بل أيضا أنها كانت حدثا أو جزءا من أسطورة، لنقل تطور وتغير إلى أن وصل إلينا بنسخته الحالية، مثل ما وجدت في أسطورة اليوم وحكاية ليلى والذئب.
 حكايتنا اليوم لن أردها لتونس أو للجزائر، لأنني لم أبحر في هذا المجال بعد، ولكن من المؤكد أنها أسطورة أمازيغية تدعى «أفافا أينوفا A Vava Enva»، وكيف لفتت انتباه أمثالي من المهتمين بالأساطير والروايات القديمة؟ كان ذلك عن طريق أغنية للفنان المشهور الأمازيغي «إدير» والذي قام بتلحين وغناء كلمات كتبها «محمد بن حمدوش»، حيث انتقى الكاتب مشاهد من الأسطورة، وعرضها بشكل جميل، ولو أننا اعتمدنا على الأغنية لما كنا عرفنا كامل الحكاية، وهنا أقصد المستمع من خارج دائرة الثقافة الأمازيغية، والجميل أيضا في مثل هذه القصص أنها تضيء تراثا غنيا لأعراق متعددة على امتداد مساحة الوطن العربي.
 لنبدأ بالقصة كما سمعتها من موقع «حكايات تونسية منسية»، وسأبقي على روح اللهجة ما استطعت لأنني فعلا استمتعت وأنا أصغي إليها، يقول الراوي: «يا سيدي ابن سيدي، يُحكى أنه في قرية أمازيغية في منطقة القبائل شمال شرق الجزائر، في سنة من السنين لم ينزل المطر، فجفّت الأرض وعطش الناس وأصبحت حالتهم كئيبة، لم تجد خرافهم ما تأكله، فأصابها الوهن وانسلت من الجوع، لا حليب ولا ماء ولا مرعى! لذا اجتمع مشايخ المنطقة لينظروا في الحال الذي وصلوا إليه، وكلمة من هذا وكلمة من ذاك، تقدم كبيرهم وقال: إنه غضب الله علينا، فبالتأكيد قام أحدنا بفعل شائن حتى أنزل الله علينا العقاب! ولذا على الذي أخطأ أن يعترف، وعفا الله عما مضى»، «إيش كون، إيش كون»؟ (من هو؟) لم يتقدم أحد ويعترف! «حسنًا» قال كبيرهم، «من منكم رأى أو سمع منكرا وصمت»؟ ولكنه أيضا لم يجد إجابة «ولا أحد حل فمه»! ماذا نفعل؟ ماذا نفعل؟ «مخلوفة على ربي» لحالة هؤلاء البسطاء من الناس، الذين حتى الحل لم يكن لديهم! هنا قرروا أن يقدموا قربانا لله لعله يسامحهم على الوزر الذي قام به أحدهم!
 ومن «غدوة الصباح» اشتروا خروفا وذبحوه، هنا قال كبيرهم: «قصوه تلفات تلفات وتصدقوا بيه على عائلات الكل اللي في القرية، وكل عائلة تأخذ ما كتب لها ربي»، تم تقطيع الخروف وتقسيمه حسب عدد الأسر في القرية، ولكن وهم يوزعون اكتشفوا أن هنالك أجزاء ناقصة! «آه!! شنو هذا، سرقة يا «خجلتنا»، شنو اللي صار»؟! هذا الذي ذبحناه وأردنا به أن يسامحنا ربنا على ما فعلناه، ثم نأتي ونقوم بذنب آخر، تلك والله مصيبة! غضب كبيرهم، وجمعهم في الغابة في «بلاسة: برحة» واسعة، وقال لهم: الآن والتو من قام بالسرقة يعترف! من سرق اللحم؟! «إيش كون، إيش كون»، «حد ما نطق»! هنا غضب وأخذ يهز عكازه ويدقه بالأرض ويدعو، وفجأة انشقت الأرض وابتلعت ساقي «إينوفا»، رجل كبير لديه أربعة أولاد صغار و«بنية»، كان أولاده حاضرين في تلك اللحظة: «يا بابا عليش هكا، يا بابا على هالعملة، يا فضيحتنا قدام العباد»! بكى الرجل وقال: قد مضى وقت طويل لم نذق فيه اللحم، فلم أستطع أن أتمالك نفسي، والشيطان «غرّ بيا، الله غالب، ما عرفت إيش نعمل... اسرقت»! فأصبح المنظر كالتالي؛ أفراد القرية انسحبوا ليكملوا توزيع اللحم، وأبناء الرجل يحاولون إخراجه من الحفرة، ورغم كل جهودهم لم يستطيعوا فعل شيء «حاولوا حاولوا النافع ربي»! هنا استسلم الأبناء وهموا بالرحيل، بكى الأب بحرقة وقال: «أنا أبوكم، ماتخلونيش، إيفرحكم، إيفرحكم ما تعملو فيا هالعملة، ماتخلونيش وحدي في هالغابة»! يقال إنه في تلك الغابة كان يسكن غول مرعب، في كل ضربة يلم عشرين نعجة ويبلعها مرة واحدة، ولكن بالرغم من بطشه وكل جبروته لم يكن يستطيع أن يفتح بابا أو يغلقه! ورجلنا يئس من أولاده، ولكنهم أخبروه بأنهم سوف يفكرون ويخرجون له بحل، هنا قاموا بجمع أغصان شجر جافة وبنوا له «برّاكة» كوخا من حوله، له باب حتى لا يقدر الغول أن يدخل إليه، ويحميه أيضا من الشمس والمطر، وبالمناسبة انحلت مشكلة القرية «ربي أعطاها خيره على هاديك المنطقة وصبت الشتا».
 ومنذ ذلك الوقت، كانت الابنة تمر على «البرّاكة» وتدق الباب، ويرتعب الأب ويسأل: «إيش كون، إيش كون»، «حل حل يا بابا أنا بنتك»، «ليه، ليه ما نحلش انخاف من الغول»، تجيبه الابنة وهي ترتجف وأنا أيضا خائفة من الغول! يرد الأب: «به شقشقي الفرادين بتاعك خل ناسمعه»: بمعنى رجّي أساورك، فتقوم برجّها ومن ثم يفتح لها الباب، وتدخل وتعطيه الطعام الذي أحضرته إليه، وتأخذ «الماعون» القديم، ومرت الأيام على هذه الحال، إلى أن حدث أن يوما قابلها فيه الغول، والظاهر أنه كان شبعان، ولم يكن له نفس أن يتناول طعاما أكثر! فكر في نفسه: من تكون هذه الفتاة، وماذا تفعل في الغابة وحدها، ولمن هذا الطعام في سلتها؟! هنا تتبعها ورأى أن شيخا يعيش بمفرده في الكوخ في قلب الغابة، فرح وقال: «غدوة وليمة، نبدأ بالشيوب ونكمل ع البنية»! وفي صباح اليوم الثاني ذهب إلى الكوخ ودق الباب، «إيش كون»؟ فرد عليه: أنا بنتك، ارتعب الشيخ وصرخ به ابتعد ما أقبح صوتك، أنت ليس إلا الغول! لماذا يا أبي؟ أنا ابنتك، لقد أمطرت بالأمس، وأصبت بالبرد وتحول صوتي، «حل حل يفرحك»! أجابه الأب: «شقشق فرادك»، وبما أن الغول ليس لديه أساور، غضب غضبا شديدا فصاح صيحة مرعبة ومشى، هنا فكر المسكين في ابنته وكيف أنه يمكن أن يلتقي بها الغول ويأكلها، وعندما حضرت ابنته حكى لها ما كان مع الغول، وأوصاها أن تنتبه إلى نفسها، فطمأنته وخرجت.
 نعود إلى الغول الذي لم يكن يريد أن يترك فرصة الوليمة الدسمة، فكّر إلى أن ساقه تفكيره إلى «العم مغار»؛ عجوز ناسك حكيم، تزهد وترك الحياة وما فيها، وانزوى إلى مغارة في أعالي الجبال، صعد إليه الغول، وقال: يا حكيم الزمان، نحن نحب الأطفال ونحب أن نفرحهم، ولكن لا أستطيع لبشاعة صوتي، فبماذا تنصحني لكي أتقرب إليهم دون أن يخافوني؟ قال له الناسك: لك بالعسل ابلع قطعة ثم ابلع بعدها نملا يدخل النمل ليأكل العسل فيصفي حلقك أيضا، وهنا سأله: وكيف أصنع أساور حتى أغطي مرفقي بشيء يجذبهم، أجابه: بسيطة، اجمع الأصداف واصنع منها أساور «يعملولك حس باهي»، شكره وقام بكل ما نصحه به الناسك، ثم ذهب إلى الكوخ وحين طلب منه أن يرج الأساور، فعل وعندما فتح له الباب انقض عليه وأكله، حاول الغول أن يغلق الباب، وبالطبع لم يستطع فوارب الباب واختبأ في الداخل، وبعد ساعة حضرت الابنة ولاحظت أن الباب مفتوح وأن هنالك رائحة عفنة تتسلل من الداخل، «شدت دموعها» وعرفت ما الذي حدث، وبهدوء اقتربت من الباب وطبقته، ثم عادت إلى القرية وهي تصرخ: أبي أكله الغول! لكن لم يصغ إليها أحد، فهذه ابنة من كان سبب غضب الله عليهم، والغول لا يقوى عليه أحد! لكن إخوتها ذهبوا وأضرموا النار بالكوخ، وهنا احتفل أهل القرية بتلك الأسرة ونسوا فعلة أبيهم.
 أرجو أن تكونوا قد استمتعتم بالأسطورة، وإن كان بينكم من يهتم من أين جاء اللطم وشق الملابس، فليبحر في الأساطير حتى يصل إلى «عشتار وتموز» والتي ما هي إلا تفسير الأولين أدبيا للقمحة والأرض، فكثير من مظاهر الطبيعة تحولت إلى أساطير، ومن الأساطير خرجت احتفالات، ومن الاحتفالات مظاهر وسلوكيات.

ميسون الدخيل        2018-09-24 7:22 PM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 11 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • اساطير جمع سطر والسَّطْرُ : الخَطُّ والكتابة ، وهو في الأَصل مصدر. الاساطير تشرح ظواهر طبيعية وروايات مرتبطة بأصل الكون أم محمد
  • عبر في الاساطير عن فوران البركان بالتنين أبو بدر
  • اهل الصين كانوا يفضلون الاقدام الصغيرة وكانت الطفلة تلبس حذاء من خشب لتبقى قدميها صغيرتين ومن هنا ألفوا حكاية اصبحت اسطورة من اساطيرهم الجميلة سوزان
  • الحكواتي في المقاهي امتداد لهذه الاساطير وحفظها سوزان
  • لقد استخدموا الاساطير استخدام ممتاز يدل على وسع الخيال وايضا من اجل تنقلها من جيل الى جيل بسهولة سوزان
  • في اسطورة عشتار وتموز كانت عشتار هي الارض التي ضمت تموز الذي كان هو يعبر عن القمحة سوزان
  • اسطورة جلجامش نخرج منها بمعنى جميل جدا وهو العمل الصالح يخلد الانسان سوزان
  • استخدم اباؤنا الاولين الأساطير للتعبير عن ظواهر طبيعية ومعاني راقية للحياة واستخدموا التشبيه والاستعارة ومنها عندما يذكروا البرق والرعد في اسطورة ما فهم يقصدون الغضب سوزان
  • ذكرتيني بجدتي وحكاياتها قبل النوم فقد كان لهذه الحكايات مغزى وسلوك كانت تنبهنا عليه آخر الحكاية. أبو عبدالعزيز
  • في الاساطير عبر كثيرة ودروس أبو بدر
  • وعسى ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم سرق من الجوع وكان سببا في نهاية الشر أم محمد

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.