الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

البحث العلمي وفجوة التنمية

يؤكد الواقع أن جامعاتنا تجري دراساتها وبحوثها ورسائلها العلمية بمنأى عن المجتمع الذي تنتمي إليه وكأنها موجودة في كوكب منعزل وغائب عن واقعه الطبيعي

أدركت الدول المتقدمة أهمية الاهتمام بالبحث العلمي كوسيلة للتقدم الاقتصادي، وكأداة أساسية لتحقيق التنمية الاجتماعية على اختلاف مشاربها، بما يتولد عنه من إنجاز حضاري يشمل المجتمع والدولة بكافة مؤسساتها العامة والخاصة، لتنافس في وزنها ومكانتها دول العالم الأخرى، من خلال مكتسباتها التنموية ومنجزاتها الاقتصادية والصناعية على اختلافها، والذي به تسجل مقعدا متقدما في سلم التنمية البشرية، وموقعا متميزاً بين الدول الأهم التي تتصدر قيادة المجتمع الدولي من خلال ما تقدمه لدولها وشعوبها بداية، ثم للمجتمع الدولي كعضو فاعل ومؤثر في التنمية الإنسانية والتقدم الحضاري بكافة مكوناته وأدواته.
ومن هذا المنطلق كان اهتمام الدول المتقدمة بالبحث العلمي وبمؤسساته وما يتعلق به من أدوات ووسائل تدعمه ويتنافس فيها القطاع الخاص والعام وبصفة مستمرة ومتنامية، وذلك إيماناً بأنه لا يمكن تحقيق التنمية الحقيقية المستدامة والتقدم الحضاري الفعلي إلا من خلال ذلك الدعم السخي والمستمر للبحث العلمي، والذي يتضمن عدة جوانب ومرتكزات أساسية تمُكنه من تحقيق مخرجاته العلمية الدقيقة بدايةً، ثم استخدام تلك المخرجات وترجمتها
بما تتضمنه من معرفة متراكمة وبما تصل إليه من نتائج وتوصيات إلى إبداعات وابتكارات، تتبلور كمنتجات يستفيد منها المجتمع في معالجة إشكالاته وتحدياته على كافة المستويات التنموية والاقتصادية والاجتماعية، هذا بالإضافة إلى ما يقدمه من مخترعات ومنجزات صناعية تولدت نتيجة لأبحاث وتجارب علمية، فكانت ثمراتها تتويجاً لجهود تخدم بها الإنسانية جمعاء وترتقي بها حضارياً؛ ويمكن تحديد بعض الأساسيات والمرتكزات الهامة الداعمة للبحث العلمي في دقة مخرجاته وفي الاستفادة منها كدراسات علمية تخدم وتحقق تطلعات المجتمعات وطموحاتها التنموية والإبداعية، ومنها:
ـ توفير قاعدة بيانات إحصائية شاملة لكافة موارد الدولة ومقدراتها المادية الطبيعية منها والبشرية؛ وما يتعلق بها من تفاصيل ومسوح اقتصادية وتنموية واجتماعية ذات صلة بظروف الدولة وواقعها الوطني.
 ـ مساندة برامج البحث العلمي بمؤسساته المختلفة وموارده البشرية بكافة أشكال الدعم المادي والمعنوي والمؤسسي، وما يتعلق بذلك من إجراءات ومعاملات بعيدة عن البيروقراطية والمركزية الإدارية في ظل أنظمة وقوانين تحكمها وتحميها.
  ـ تأسيس مجلس علمي يقوم بالإشراف على كافة مؤسسات البحث العلمي بما فيها الجامعات بغرض توجيه الدراسات والبحوث والرسائل العلمية، فيما يخدم برامج التنمية المختلفة ويساهم في معالجة كثير من التحديات
التي تواجهنا في مسيرتنا الوطنية.
  ـ إيجاد آلية وقنوات متعددة رسمية للتواصل ولتحقيق الشراكة المجتمعية الدائمة والتعاون المتبادل بين مؤسسات البحث العلمي من جهة، وكافة مؤسسات الدولة العامة والخاصة ومؤسسات المجتمع المدني، للاستفادة من مخرجات تلك الدراسات والبحوث العلمية وتفعيل نتائجها وتطبيقها ميدانياً، كلٌ في مجال استخدامه والحاجة إليه.
 وبالمقابل فإننا كدول عربية وبصفة العموم لا نقدم الدعم المعنوي والمادي والمؤسسي لمؤسسات البحث العلمي كما يتطلبه ذلك، ولا نوليها ما تستحقه من اهتمام ورعاية، وذلك لا يرتبط فقط بحجم الدخل الوطني للدول، الذي
قد يكون عائقاً إلى حدٍ ما للبعض منها، وإنما يرتبط بمدى وحجم إدراكها لأهمية البحث العلمي وقيمة مخرجاته في معالجة مشكلاتنا وتحدياتنا الوطنية، والتي لو قُدر لها أن تستخدم نتائجها وتطبق توصياتها ميدانياً لتلافينا كثيرا من العراقيل والعقبات التي تواجهنا في كافة المجالات، وذلك بعيداً عن الارتجالية والعشوائية في السياسات العامة، وبما يساهم في توفير الكثير من النفقات التي تهدر دون عائد وطني أو استثمار مُنتج.
 وحتى نكون واقعيين ونناقش الحالة منطقياً، فلنبحث ونسأل ونطلع على واقع قنوات التواصل والشراكة المجتمعية والمؤسسية، ما بين مؤسسات البحث العلمي بما فيها الجامعات كمراكز أساسية للبحث العلمي والتمكين للباحثين بمنحهم الدرجات العلمية بالرسائل العلمية والترقيات العلمية من جهة، وبين مؤسسات الدولة ومؤسسات القطاع الخاص والمجتمع المدني من جهة أخرى، ولنتساءل ما مدى استفادة تلك الجهات المختلفة من مخرجات تلك البحوث ونتائجها في معالجة التحديات التي تواجهها في مختلف الميادين؟!، وما مدى تعاطي المسؤولين وما يصدر عنهم من قرارات وسياسات لما يجري في دهاليز وقاعات البحث العلمي؟! وهل يتم تفعيلها واستخدام نتائجها ميدانياً؟!، أم إن هناك قطيعة وانفصالا وكل منهما يعمل في ميدانه ومجاله الخاص به دون أدنى استفادة
أو تعاون من نتائج تلك الدراسات العلمية والبحوث المختلفة؟! ومن جهة أخرى نتساءل، هل ما تتطرق إليه تلك الدراسات والرسائل العلمية من مواضيع ومشكلات تخدم التوجه الوطني ومتطلباته؟ وهل تساهم في معالجة إشكالياته وتحدياته؟ وهل هناك مواءمة ولو مقبولة بين الطموحات والتطلعات الوطنية وبين ما يجري من أبحاث ودراسات؟! وإذا كان ذلك موجوداً ومتاحاً، أين هو، وفي أي قطاع؟!  يشير الواقع والسياسات الارتجالية غير المدروسة في مختلف القطاعات وما يتبعها من إجراءات وبرامج لكثير من مؤسساتنا العامة وقرارات مسؤولينا
إلى أنها دون الطموح، بل وأن ذلك جميعه لا يستفيد من أي نوع من الدراسات ذات الصلة، ولا يستخدم أو يستثمر أي نوع أو مستوى من التطور المعرفي والفائدة التي تقدمها البحوث العلمية بنتائجها في إبداعات وابتكارات جديدة، وإنما تصدر جميعها بمعزل عن ذلك جميعه؛ كما يؤكد الواقع أن الجامعات تجري دراساتها وبحوثها ورسائلها العلمية بمنأى عن المجتمع الذي تنتمي إليه، وكأنها موجودة في كوكب منعزل وغائب عن واقعه الطبيعي، وهي بذلك تخِل بدورها في تحمل المسؤولية المجتمعية والوطنية، فهناك الكثير من المواضيع والدراسات والرسائل العلمية التي لا تخدم حاجاتنا الوطنية ومتطلباتنا التنموية ولا تعالج شيئا من تحدياتنا، بل وحتى إن وجد البعض من تلك الدراسات الهامة فهي حبيسة رفوف المكتبات الجامعية والمكتبات العامة الرسمية إن وجدت، لتظَل بمأمن عن كل من يبحث عنها وبمنأى عمن يريد الاستفادة منها تطبيقياً وليس بحثياً فقط، والتساؤل المطروح، ما فائدة تلك البحوث والدراسات العلمية التي تكلف الجهد والوقت والمال دون تفعيلها ودون الاستفادة من مخرجاتها في معالجة مشاكلنا وتحدياتنا؟! لماذا لا تتولى جهة عليا رسمية كالمجلس العلمي المقترح أعلاه، أو مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية؛ تحديد الدراسات البحثية وتوجيه المواضيع نحو متطلباتنا وتحدياتنا التي تحتاجها ظروف التنمية التي نعيشها؟! لماذا تَستهدف الكثير من الدراسات مواضيع هامشية جداً ومتقادمة وليس لها مردود وطني يستحق ونحن في أمس الحاجة لدراسات بحثية وطنية تتواءم مع ظروفنا؟! ولماذا تكون سهولة الموضوعات وتوفر بياناتها أو توجيه المشرف الأكاديمي أو اختيار الباحث ذاته، الضابط والمعيار الأساس المستهدف دون اعتبار لأهمية الموضوع المدروس وجدواه العلمية وطنياً وتطبيقياً؟! لماذا لا توضع آلية مدروسة وقنوات تواصل رسمية ودائمة ما بين مراكز البحث العلمي، ومؤسسات الدولة لتفعيلها والاستفادة منها تطبيقياً؟! لماذا لا يتم كذلك التعاون ما بين الأقسام المختلفة في الجامعات ومؤسسات الدولة بقطاعيها العام والخاص في تصنيف مخرجات الجامعات وفق تخصيص وظيفي مناسب لمؤهلاتها بعيداً عن التعليم العام الذي اكتظ؟! لماذا تنحصر وظائف مخرجات الأقسام النظرية والاجتماعية في غالبها على التعليم فقط؟! هناك العديد من التساؤلات والاستفسارات ذات الصلة بذلك الانفصال المؤسسي في الخدمات والمنتجات بين مؤسسات الدولة والبرامج التعليمية والبحثية التي لا نجد لها مبررا مقبولا؟! وآخر حبذا لو تمت الاستفادة من الدول المتقدمة في تجربتها العملية في آلية دعم مؤسسات البحث العلمي وكيفية الاستفادة من مخرجاته العلمية لبلورتها إلى منتج استثماري وإبداعات وابتكارات تشمل جميع مواردنا ومقدراتنا، لنردم فجوة التنمية التي تعيق مسيرتنا الوطنية.

عبلة مرشد        2017-09-13 12:54 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال