الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

براءة ذمة

كل يوم كل ساعة كل ثانية؛ جرح ينزف أو قلب يكسر أو روح تزهق! ونظن أن الفاعل مجهول لأننا نرفض أن نعترف بأنه قد يكون واحدا منا؛ أنا أو أنت هو أو هي، وربما كانت شركة مساهمة، الكل وضع فيها شيئا حتى ولو بحجم ذرة ملح! من منا مستعد أن يعترف بأنه المسؤول عن خطأ أو ذنب ما؟ الكثير، ولكن ماذا عن المسؤولين عن العقول التي ضللت، عن الظلام الذي رسم ضياء، عن الحق الذي زور، عن الوهم الذي وزع؟ إنهم بشر يخافون أن ينهاروا إن رأوا الكراهية يوما في أعين الضحية، يرفضون الاعتراف بصوت القهر، ولكي يحموا أنفسهم يلجؤون إلى إبراء الذمة؛ وما أعنيه هنا إسقاط ما في الذمة من ذنوب! نعم كثير منا من يمر بلحظات استيقاظ وعي فيكون صادقا نادما حقا على أخطائه أو ذنوبه، ويعمل بكل صدق وأمانة على تصحيحها إن استطاع، فإن لم يستطع لجأ إلى العبادات والاستغفار، طامعا في مغفرة الله وعفوه سبحانه وتعالى، ولكن القليل منا أيضا من يستمر في الخطأ، ويمثل على نفسه قبل غيره بأنه يقوم بعمل عظيم!
لا يوجد خير مطلق أو شر مطلق، ولكي يظهر الأول يجب أن يتواجد الثاني، كما أن الخير قد يخرج من الشر، فالشر قد يخرج من الخير! كيف؟ عند هؤلاء الذين لا يمتلكون الجرأة على مواجهة أنفسهم، ممن يخافون الغرق في الأفكار السوداء التي تختبئ داخل سراديب مظلمة في أعماق ضمائرهم، يخافون أن تتمرد عليهم وتخرج لتفضحهم، ولهذا نجدهم يجاهدون كي يخدروها بتمثيليات يضربون من خلالها أكثر من عصفور بحجر؛ منها عملية التخدير، ومنها غطاء لعملياتهم أو أفعالهم القذرة، ومنها لرش الرماد في العيون ليظهروا للبقية أنهم أصحاب الأيادي البيضاء، وبناة المستقبل، وفرسان الحق! عادة عند أصحاب الضمائر الحية من يلاحظ أنه قد يكون حصل منهم أي تعدّ أو ذنب فيسارع إلى طلب المغفرة، ويراقب أفعاله المستقبلية حتى لا يتكرر الأمر، لأن الإحساس بالذنب وتأنيب الضمير بالنسبة إليه قاتل، وهذه النوعية بالرغم من أنهم كثر تضيع وسط الزحام، لأنهم لا يريدون سوى مرضاة الخالق، أما من يسعى لمرضاة نفسه على حساب الخلق فهؤلاء هم من أتحدث عنهم، وإليكم بعض السيناريوهات الافتراضية التي قد تمثل واقعا أو خيالا، الأمر يعتمد على تفعيل الوعي وقوة الملاحظة هذا إن أردنا أن نرى:
رجل لم يترك فتاة وضعها حظها البائس في طريقه إلا واستغلها، خاف من ماضيه أن يلحق به، لبس ثوب الورع والتقوى، وبدأ بحملات مساعدة الشباب على الزواج، والمشاركة في جمع الأموال للأسر المحتاجة؛ يفعل الخير ليمحو من خلاله شرا سابقا! ولكن إن مرت عليه فتاة من بين هؤلاء فلن يتركها بل يجذبها إليه إما عن طريق الزواج، أو التهديد، أو استغلال فقر وضعف أهلها، المهم أن تصبح ملكه، ثم يتخلص منها بطريقته، وفي نفس الوقت قد تجده أيضا ممن يهاجم من يختلفون معه في الرأي أو الموقف بأنهم يريدون استغلال المرأة والوصول إليها!
مدير أو رئيس شركة أو مؤسسة، لا يهم الحجم أو النوع، نتحدث هنا أنه ذو سلطة وصل إليها بالتحايل والغش والنفاق، يقوم بعمله بيد من حديد مع التطوير والإنجازات الكبيرة، ولكن بما أنه يرى الإدارة ومن فيها ملكا له يستمر في التزوير والاختلاس والتعدي على حقوق البشر سواء داخل أو خارج المؤسسة! وحتى يستمر ذاك الرائد في نظر من حوله تبدأ تمثيلية المثالية، وحبذا لو دفع قلما أو عدة أقلام إعلامية لتقدم عنه «ربورتاج» يُرسم من خلاله على أنه تلك الشخصية العصامية التي بدأت من الصفر وحفرت في الصخر، الشخصية صاحبة المواقف الوطنية والأقوال المأثورة في الإدارة وفي المجتمع وفي العلاقات العامة وفي الدين وفي السياسة؛ في أي شيء وكل شيء، وربما تؤلف عنه الكتب خلال حياته أو بعد مماته؛ كل شيء يُذكر إلاّ كيف أنه خلال أقل من بضع سنوات أصبح من أعمدة الاقتصاد في بلده؛ بالطبع ليس بعد أن تمكن من المركز، وكأن كل هذه الأموال ولدت معه! لا أحد يقترب من هذا نظرا لحجم الأعمال الخيرية والمشاريع الوطنية التي قدمها للمجتمع! شخصية ماهرة في إبراء الذمة تمتد حتى بعد مماته!
ناشطة اجتماعية أو إعلامية أو أكاديمية، تقدمت من خلال التضليل والتشويه والهجوم على وطنها أو مجتمعها، منهن من وجهت سهامها نحو بنات جنسها أو دينها أو طائفتها، ترتقي على الأكتاف خاصة ممن آمن بها واتبعها واعتبرها صوت الحق! ترى نفسها بطلة لأنها قادت حملات وطنية حسب تصورها، ومن يتبعها ضد كل من لا يؤمن برأيها أو يتقبل حججها، وتمادت حتى وصل الأمر بها أن تظهر وكأنها جان دارك العصر التي تُهاجم من كل حدب وصوب فقط لأنها تقول كلمة «حق»! أي حق وهي تشوه خصمها، أي حق وهي تسهم في تدمير بلدها، وقد تكون قبضت الثمن لذلك، أي حق وهي تجيز لنفسها ما ترفضه بالنسبة للأخريات من بنات جنسها، أي حق وهي تفرق بين شرائح من مجتمع واحد وفي الوقت ذاته تدعي المظلومية أو البطولة؟! ما يهمها هنا أن تراقب الناتج وهو في صالحها بما أن ذلك يسهم في ارتفاع شعبيتها أو رصيدها في البنوك، ومن خلال ذلك ترتقي وتشتهر! الخير في أن يقوم الفرد بحملات من أجل الوطن أو المجتمع، والشر في أن تؤدي هذه الحملات إلى ارتفاع مخزون الدماء والخراب والكراهية والتعصب والطائفية والتفرقة وضياع الحقوق لدى المجتمع المستهدف!
رجل غني لم يكتف بما ورثه، بل أراد المزيد المضاعف من سلطة وجاه ومركز وشهرة، يقوم ببناء مشاريع ويخلق وظائف ويفتح بيوتا، يسهم في توزيع المساعدات في الدول الفقيرة والمخيمات، يدعم الجمعيات الخيرية، لا يدع أي عمل خيري أو تنموي إلا ويسهم فيه، وقد يكون قد تسلم جوائز تقديرية من الدولة أو مؤسسات المجتمع المحلية أو العالمية، كل الأعين موجهة إلى إنجازاته، ولكن إن دققت وبحثت فقد تجد أن له يدا في عمليات تبييض الأموال، أو تجارة البشر خاصة النساء والأطفال، أو تجارة الأعضاء مستفيدا من ساحات الحروب المشتعلة، أو تجارة الأسلحة مساهما في إشعال تلك الحروب، قد يبني جامعا وفي نفس الوقت تجد أنه يمتلك سلسلة من الخمارات في نفس الحي أو المنطقة، قد يسهم في عملية إخلاء سبيل مختطفين وهو في الأصل من سهل عملية الاختطاف... رغم كبر حجم إجرامه الخفي تجد حجم أعماله الخيرية أضعافا مضاعفة، لا تعلم هل للتخفي أم لإبراء ذمة حسب فهمه وتقديره المنحرف بأن هذا يمحو ذاك!
من يذنب ويتوب ويستغفر فالله غفور رحيم، أما من يصر على الشر، فقد يعمل ليل نهار على إبراء الذمة ليقنع نفسه بأنه صالح طالما أن الخير الذي يقدمه كثير، مقدما لنفسه صكوك الغفران، نعم قد تنجح هذه المسرحيات على خشبة الحياة المؤقتة، وأيضا قد لا تنجح وتتكشف الحقائق ولو بعد حين، خاصة أن الوعي اليوم غير الأمس بانفتاح الفضاء المعرفي وسرعة تداول المعلومات والجهات التي تصر على البحث عن الحقائق وتقديمها بالأدلة والوثائق، وقد... وقد... وقد... ولكن الأكيد أن هنالك حساب الآخرة ينتظر الجميع. 

ميسون الدخيل        2017-07-17 12:26 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 6 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • لقد كنت لطيفة جدا عندما اعتبرتي الأشرار أقلية؟ الأشرار في هذا الزمن أكثرية والأدهى أن بعضهم وصلت به الوقاحة بالمجاهرة بالشر أم محمد
  • صدقتي والله رائعة ومبدعة حماك الله ليت كل مذنب أن يصحح من نفسها لكن الوطن من أجمل ما يكون . فهيمة الحسن
  • من يصر على الخطأ ويخدع الناس لا يفهم النفس البشرية وفطرتها فتصرعه اما ببطىء او بسرعة على حسب قدراته الذهنية سوزان
  • من يصر على الخطأ ويخدع الناس دائما مشوش مكتئب يحتاج لمواد لتسكن الهلع والرعب بداخله سوزان
  • من يصر على الخطأ ويغطيه ليخدع الناس بداخله وحش يسحبه من رقبته يسلسله غليظة سوزان
  • من يصر على الخطأ ويغطيه بأعمال تبهر الناس هذا عبد لهواه يستمد قوته من خداع الناس وبنفس الوقت يطعنهم في ظهورهم سوزان

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.