الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الغلو في الدين والانفلات عنه

العنف والصخب والبذاءة ليست من الدين في شيء، ولعله لا يكاد يُعرَف أحد نشأ على الدين السمح والفطرة السليمة، والعلم النافع، وسلم من الانضمام للحزبيات والتنظيمات، أنه انتقل إلى الغلو أو الانفلات

العلاقة بين (الغلو في الدين) و(الانفلات عن بعض أحكامه) هي - في نظري - علاقة السبب بالنتيجة، فالغلو في الدين سببٌ للانفلات عن كثيرٍ من أحكامه، وتهوينٌ من شأنه في النفوس، وذلك أن هذا الدين يسرٌ، ولن يشادَّ الدين أحدٌ إلا غلبه، وإذا غلبه انقطع وعجز وأعرض عنه، واندفع لنقده بقوةٍ تساوي قوة اندفاعه عندما كان غاليا ومتشددا فيه، وكما يقال: لكل فعل ردة فعل مساوية له في القوة ومعاكسة له في الاتجاه، ولا يبالي الشيطان في أي واد هلك أتباعه، أفي وادي الغلو، أم في وادي الانفلات، المهم أن يبعدهم عن منهج الاعتدال والوسطية، ويوقعهم في الضلال، كما قال الله تعالى (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا)، ومن نظر في سيرة بعض المندفعين في تنقص المظاهر الشرعية - هداهم الله -يلحظ أنهم كانوا من الغلاة سابقا، ومنهم من كانوا يفتاتون على ولي الأمر، ويتعدون بأيديهم على ممتلكات الناس ومحلاتهم التجارية التي يرونها تتضمن ما يحرم بيعه، ومنهم من ابتلوا بالأحزاب والحركات المنتسبة للإسلام، التي تجعل المنضم إليها حزبيا، لا يرى الدين إلا من خلال مرئيات قادة تلك الأحزاب التي تتخذ الدين مطية لأمور سياسية، ومصالح شخصية، ولذلك يندفعون بغير هدى من الله، متوهمين أنه لا يحمل همَّ الإسلام والدفاع عنه، والغَيرة عليه، إلا حزبهم، فحجَّروا واسعا، وأساؤوا الظنون بغيرهم، واتهموا العلماء الراسخين بالتخاذل وعدم القيام بالواجب، إلى آخر شغبهم وغوغائيتهم التي آذوا بها الناس، وضيقوا بها على عباد الله، فلما طال عليهم الأمد، وعجزوا عن مشادة الدين، انتقلوا من أقصى اليمين، إلى أقصى اليسار، ولكن هذه المرة بمحاربة مظاهر التدين، لتوهمهم أن كل متدينٍ هو من مجموعتهم السابقة أهل الغلو، فانتقلوا من الغلو إلى الانفلات والغرور، ونصَّبوا أنفسهم حاكمين على تدين الناس، ومتخصصين بالمذاهب والحركات والجماعات، مع كونهم جهالا لم يُعرفوا بعلمٍ ولا بصيرة، ولو تابوا إلى الله وتعلموا العلم على أيدي العلماء الراسخين، واستقاموا على دين الله برفق وسكينة، وبُعدٍ عن التنطع والانفلات، لكان خيرا لهم، ولاهتدوا إلى التدين الصحيح، الذي أمر الله به ورسولُه، ولانشرحت صدورهم، وذاقوا حلاوة الإيمان، فالدين يسر، يؤخذ برفق وسدادٍ ومقاربة، يقول النبي عليه الصلاة والسلام (إن الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَة وَالرَّوْحَة وَشَيء مِنَ الدُّلْجَة)، وأما العنف والصخب والبذاءة فليست من الدين في شيء، ولعله لا يكاد يُعرَف أحد نشأ على الدين السمح والفطرة السليمة، والعلم النافع، وسلم من الانضمام للحزبيات والتنظيمات، أنه انتقل إلى الغلو أو الانفلات، لأن الإيمان وسلامة المنهج إذا خالط بشاشة القلوب، لا ينتقل منه العبد إلى غيره.
فإن قيل: هذه الحزبيات توجد حتى عند بعض من ينسب نفسه إلى منهج السلف الصالح، فالجواب: العبرة إنما هي بالاتباع لمنهج السلف، وليس بالادعاءات التي تكذبها الحقائق، ولا ريب أن من سار على طريقة السلف الصالح قولا وعملا، ولم يكن انتسابه للكيد والتشويه، أو سلما للارتزاق والتملق، فإنه لا يكون حزبيا قط، وأما من اتخذ السلفية حزبا، أو صار مطيةً وخادماً لحزب المنفلتين من أهل الشهوات، أو الحركيين من أهل الشبهات، فذاك لضعف عقله ودينه وعلمه، وربما لكون تربيته السابقة حزبية، فيكون حينئذٍ فيه بقية من الباطل السابق، فينقل ذلك الباطل والتحزب معه، وقد أشار إلى هذا الملحظ الإمام محمد بن عبدالوهاب رحمه الله فقال (المنتقل من الباطل الذي اعتاده قلبه لا يُؤمن أن يكون في قلبه بقية من تلك العادة لقولهم (ونحن حدثاء عهد بكفر).
فهم مع جلالة قدرهم، قالوا: اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، لما اعتادوه في السابق مما هم حديثو عهد به.
لكن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنكر عليهم، وقال: قلتم كما قال أصحاب موسى لموسى: اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، فعندئذٍ تركوا هذه المقولة الباطلة.
والمأمول من كل مسلم: أن يعتز بدينه، ويبين محاسنه، ولا يجعله عرضة للخصومات، فهو مصدر السعادة في الدنيا والآخرة، وأما أخطاء الناس فتعالج، ولا تُقر، ولكن بدون طعن في ثوابت الدين - وأعني بالثوابت: كل ما ثبت في كتاب الله وسنة رسوله ـ صلى الله عليه وسلم - ودون انتقاص للعدول من حملة الشريعة، الذين ينفون عنها تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.
 

أحمد الرضيمان        2017-05-19 12:08 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 25 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • هذاهوشيخنا-نحن قراء صحيفة الوطن-فأتونا بشيوخكم،وليشهد الحوار/ مقارعة الحجة بالحجة/النزال الفقهي جماعة من المحكمين الوسطيين..منا الرضيمان ومنكم ماشئتم من"فرقكم" و"الموية تكذب الغطاس". غرم الله قليل
  • وهذا هو خطابنا منذ كنا طلابا بحمد الله ، لم يتغير شيء وكنا نعرضه حسب الوسائل المتاحة لنا ، والشكر لله ، والدعاء لولاتنا وعلمائنا الراسخين رحمهم الله ، فقد كان فضلهم كبيرا.. أحمد الرضيمان
  • مرحبا أخي صالح : وأرجو أن أكون معتدلا كما هو حسن ظنك بارك الله فيك، وأصدقك القول أن هذا ماكنت عليه منذ كنت طالبا في الثانوية ، لم ألتحق قط بحزب او جماعة، و في الجامعة درست على ابن عثيمين أحمد الرضيمان
  • أين هذا الصوت المعتدل وقت الشدة, عندما كان المتنطعون هم من (يعرّف) الإسلام فكرا وسلوكا (للمسلمين وغيرهم). الرخاء هو العرف الآن; تقول العرب: لا كرم يوم العيد. saleh
  • كذلك قاعدة : لاقياس مع الفارق صحيحة ، لكن احيانا يكون الخطأ في التطبيق ، بأن يفرق بين المتماثلين احتجاجا بهذه القاعدة ، يظن ان هناك فرق مع انه لافرق.. أحمد الرضيمان
  • وأما الفرقة الناحية : فأصحابها من كان على ماعليه رسول الله وأصحابه من أي لغة وبلد وجنس وزمان ومكان ، واما الحديث فإن صح سنده ومتنه فهو مقبول في اي كتاب من كتب السنة. أحمد الرضيمان
  • وياأستاذ غرم الله الدين أسمى من أن يوظف سياسيا او حزبيا ، كما هو واقع عند قادة الاحزاب ونحوهم ، بل السياسة تابعة للدين . نعم: ماكل مايعلم يقال ، ويمكن الرجوع لمقال سبق كتبته في ذلك. أحمد الرضيمان
  • ولا علاقة للانتساب للمذاهب الاربعة بالتحزب ، لان ذلك استفادة من علمهم ، ولم يدعوا احدا إلى انفسهم ، بل كانوا يقولون : خذوا من حيث أخذنا . أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل غرم الله: شكرا للطافتك ، وسمو أخلاقك ، وإن قلتَ أو قال غيرك ( أخرجوا الرضيمان من صحيفة الوطن) فأخرجوني ، ففيها كتاب خيرٌ مني بمراحل. أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل غرم الله: شكرا للطافتك ، وسمو أخلاقك ، وإن قلتَ أو قال غيرك ( أخرجوا الرضيمان من صحيفة الوطن) فأخرجوني ، ففيها كتاب خيرٌ مني بمراحل. أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل : سعد أسعدك الله وشكرا لك . الأخ الفاضل: أحمد سليمان سلمك الله صدقت لاحاجة لدعاة الغلو، وايضا لاحاجة لدعاة الانفلات لحديث( دعاة على ابواب جهنم..الحديث). أحمد الرضيمان
  • الأخ الفاضل : سعد أسعدك الله وشكرا لك . الأخ الفاضل: أحمد سليمان سلمك الله صدقت لاحاجة لدعاة الغلو، وايضا لاحاجة لدعاة الانفلات لحديث( دعاة على ابواب جهنم..الحديث). أحمد الرضيمان
  • أشكر جميع المعلقين ولهم التقدير ، وأستفيد منهم . الاخ الفاض الذي رمز لاسمه بعمر المختار: إن كان ما ذكرته عنا حقا فغفر الله لنا ، وإن كان تجنيا علينا فغفر الله لك . أحمد الرضيمان
  • ما أجمل خاتمة مقالك - شيخنا الفضل ! غرم الله قليل
  • هل حديث افتراق الأمّة(تفترق أمتي)جعل كل فرقةتقول أنهاالمقصودةبالناجية؟وهل كون الحديث لم يرد لافي البخاري ولا مسلم يجعل منه ضعيفاأو حسناً؟مع أنه رواه داود والترمذي وابن ماجه والحاكم؟ غرم الله قليل
  • هل : ( لا يقال كل ما يعلم ) قاعدة عند الفقهاء ؟ كالقول : (لا مقارنة مع وجود الفارق) ؟ وأيهما يتّبع الحزبيون ؟ غرم الله قليل
  • هل صحيح أن الدين وظّف سياسياً (منذُ _ مبطي) ؟! أم أنه لم يوظف سياسيا إلا في العصر الحديث ؟! ولماذا ؟! غرم الله قليل
  • سؤال لشيخنا الفاضل : هل التعصب لمذهب معيّن مثل التعصب لحزب إسلاميٍ معيّن؟ هل المالكي يغلو في مذهبه - مثلاً - كغلو الحزبي لحزبه؟.. يهمهما الفوز ؟ وليس الدليل؟ الذي قد يكون مع عيره! غرم الله قليل
  • الحسنة ب(١٠) حسنات والسيئة تكتب(١)..والحسنات يذهبن السيئات..والجمعة للجمعة كفارةلما بينهما..الخ.ومع ذلك يصرّ "التشدد"على الترهيب وعدم الترغيب..بل يفرض تشدده-رضي من رضي وأبى من أبى. غرم الله قليل
  • لولاتشددميدانيو هيئةمابمطاردة الناس بسيارات الدفع الرباعي المزودةبالدعوم؛لماكانت مطارداتهم منتهيةبالموت(ناصروسعود القوس-اللذان كانايحتفلان باليوم الوطني/غامدي بلجرشي أنموذجا. غرم الله قليل
  • أنت شيخ من لا شيخ له -بارك الله بك- ألم تقل اقتباس"فالغلو في الدين سبب للإنفلات عن كثير من أحكامه.." انتهى الاقتباس! أخشى أن يتنمر متشدد بالوراثة ويقول : ابعدوا الرضيمان عن الوطن/الجريدة. غرم الله قليل
  • نحمد الله أن عدد دعاة الغلو محدود وبالامكان القضاء عليهم فهم بضع مئات،لجمهم يحمى ملايين الناس من خطبهم،ولا داعي للدعاة فالقرآن الكريم بيّن(ولقد يسرنا القرآن للذكر) احمد سليمان
  • الفرد العادي لا يمكن أن يكون مغاليا ،الا اذا امتلأ -مخّه-من قبل دعاة التشدد،حيث لو قرأ-الفرد- آلاف كتب الغلو والتشدد لما اقتنع ولكن بمقولة من داع متشدد ينقلب رأسا على عقب. احمد سليمان
  • مقال عميق جدا وضع النقاط على الحروف سعد
  • خاطبوا انفسكم قبل ان تخاطبوا الآخرين ماشفنا الغلو إلا منكم . عمر المختار

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.