الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الهاشمية اليمنية وصراع المصالح

وقعت الهاشمية اليمنية بكافة تكويناتها في لعبة مباريات خبيثة وفي تناقضات من صناعتها وصناعة غيرها من قوى داخلية وخارجية وهذا جعلها أداة موظفة في صراعات الداخل والإقليم

استغلت شبكات المصالح المعقدة في اليمن، بعد أن فشلت في بناء مشروع وطني يشرعن وجودها بما يلائم حاجات ومتطلبات الواقع اليمني، انفعالات الهاشمية الزيدية وهوسها بالأوهام والحكم وعجز كتلتها الشابة عن إثبات الذات وفق المتغيرات التي فرضتها التحولات الاجتماعية والسياسية التي أسست لها المتغيرات السياسية بعد ثورة سبتمبر 1962 ساعدتها على بناء عقائد جديدة ذات نزعة قتالية ومقدسة للأوهام الاصطفائية ودفعت بها إلى تبني العنف كخيار لفرض سيطرة وهيمنة تقصي بقية اليمنيين وخياراتهم في دولة عادلة. وضمن تحالفات عصبوية شكلتها صراعات الجغرافيا وتناقضات المصالح بين الأطراف الحاكمة للجمهورية لجأت الارستقراطية الهاشمية في صعدة وصنعاء والمناطق الوسطى للعب دور انتهازي في تعبئة الهاشميين وأسهمت في بعث عصبية مغلقة متحيزة لنزعة عرقية يتم تأليبها عبر العقيدة الحوثية وهي قفزة تجاوزت الزيدية التقليدية، وما زاد من اشتعالها أنها تبنت خمينية ذات نزعة عنصرية قبلية. ولعبت إيران دورا محوريا باسم تصدير الثورة الشيعية في استغلال هذه الفئة وتمكنت من بناء خليتها الأمنية التي أصبح لها القول الفصل ووقعت الهاشمية الزيدية في معضلة طموحاتها والمبالغة في دورها دون فهم لطبيعة المتغيرات الجذرية ولا تعقيدات الواقع اليمني ولا أمن المنطقة العربية.
يظل السؤال المهم: ما الذي سهل للقوى المختلفة توظيف هذه الفئة الاجتماعية في صراعاتها المتنوعة والمتناقضة؟
بادئ ذي بدء، هذه الفئة لديها شبق سلطوي وعشق للغنيمة أكثر من غيرها وهي تعاني من اضطراب نفسي عميق بعد الجمهورية، ولم تستوعب التحولات التي خلقتها ثورة سبتمبر التي أنهت حكم الأئمة الزيود. كما أن أنها اعتقدت أن عصبيتها العرقية هي البديل لتصدع العصبية القبيلة في أعالي اليمن وعجزها عن حماية السيطرة التي فرضتها مراكز الحكم الجمهوري، كما أن تعاظم قوة الحركة الحوثية والتحاق بعض المراكز القبلية ببنيتها خلقا لدى الهاشمية شعورا جمعيا بالتمايز والقوة، ولأن التيار المسالم هو السائد لدى الأغلبية فقد تم تدمير هذا الاتجاه عبر خطط متقنة، ولم تكن الحروب الست إلا أبرز تلك الخطط، فالتيار المهووس بالحكم كان على يقين أن سبب عجزه عن الإمساك بزمام الأمر ناتج عن عجز في استخدام القوة القاهرة، وتولدت لديه قناعة بأنه لم يتقن توظيف العصي الغليظة من أجل بناء القوة، وبروز الحوثية كتكوين ميليشاوي عنيف وصارم في قهر خصومه أقنع أصحاب الاتجاهات المدنية، وحدث انتقال خطير في وعيهم وتشكل وعي جمعي في بنية الهاشمية الزيدية يقدس القوة، وما زاد من تجذر هذا الوعي أن الحكم الزيدي الإمامي اعتمد عبر تاريخه على القوة واعتمد على عقيدة صلبة، فحواها أن الهاشمية ببعدها المتشيع لآل البيت ولسيد علم مختار مصطفى لها الحق في الحكم وكل حاكم من خارج العصبية ليس إلا مغتصبا للسلطة.
إلى ذلك برزت فئة شابة سياسية طامحة من الفئة الهاشمية في مختلف التيارات إلا أنها وجدت نفسها غير قادرة على تجميع قوتها لتحصيل قوة ضاربة أمام الانبعاث الاجتماعي الذي تراكم خلال مسيرة الحكم الجمهوري، لذا شكلت الحوثية نقطة تجمع ومنطلق لإعادة بناء عصبية عرقية بنزعة طائفية وعملت بإشراف الخلية الأمنية الإيرانية على توظيف قوتها في تلك التيارات للإمساك بزمام الأمر، ولأن هذه الفئة الانفعالية المتعصبة الباحثة عن دور لا تمتلك الخبرة الكافية لإدارة الصراع نتيجة المتغيرات التي فرضتها الجمهورية وقعت في فخ دهاة السياسة اليمنية، ومن يتابع هذه الفئة الشابة المنفعلة سيجد أنها أقرب إلى سذاجة القرون الوسطى في التعامل مع واقع اليمن وتعتقد أن بقية أبناء اليمن أغبياء وهذا يخالف واقع الحال، فمن يديرون الصراع لديهم من الذكاء الكافي لتضليل الهاشمية الزيدية وتوظيفها في صراع أكثر تعقيدا من أوهام الاصطفاء وتقديس القوة.
وفي صراع معقد وقعت الهاشمية اليمنية في صندوق الجريمة التي حيكت لها بإتقان من قوى الداخل القبلي والعسكري ومراكز النفوذ السياسي شمالا وجنوبا ومن قبل الملالي، وجميعهم لا يرون في هاشمية اليمن إلا عصابة من المهووسين بالسلطة والغنيمة وأوهام عقائدية اصطفائية وبالإمكان التعامل معهم كأداة وظيفية في نزاعات داخلية وفي صراعات المنافسات الإقليمية على النفوذ.
صحيح أن من النخبة الهاشمية لاعبين كبارا في ميدان السياسة اليمنية، وأقصد بهم الأغنياء والساسة ورجال الدين الأكثر حذقا في ميدان الصراع على القوة، إلا أن هؤلاء يعملون بلا ضمير، وهم ميكافيليون انتهازيون ولديهم أطماع وطموحات أنانية وهؤلاء بدورهم يستغلون بقية الفئات الهاشمية وحولوا أفرادها إلى مرتزقة يقاتلون بالمجان باسم العصبية العرقية والمذهب، لذا فإن كثيرا من فقراء بني هاشم ضحية لجشع الأقليات، مثلهم مثل بقية اليمنيين، فقط أن الهاشمي الفقير ومن معه من أبناء القبائل الذين تم التلاعب بعقولهم يقاتلون كالعمي من أجل الوهم لخدمة شبكات معقدة من أصحاب المصالح.
وما يدفع الكثير من الكتل الشابة إلى محرقة الميليشيا بتركيبتها القبلية والعسكرية والعرقية الأساطير الدينية والتاريخية التي تضخها الأقلية المسيطرة من مراكز القوى الهاشمية وحلفائها من مراكز القوى اليمنية وعملوا على تحويل العصبية إلى جيتوهات مغلقة بهدف توظيفها في الحروب والصراعات، ولأن أغلب هذه الفئات الهاشمية كما هو حال أبناء القبائل من الفلاحين ليسوا محترفين في فهم السياسة وتناقضاتها وتحركهم الغرائز والعواطف لا الحسابات المتقنة؛ تمكنوا من توظيفهم في بيئة يمنية ممتلئة بالأفاعي والانتهازيات والدهاة، وتم اصطيادهم في مصيدة الخطاب التعبوي للحوثية بسهولة ويتم التعامل معهم ككباش فداء لتطهير مصاصي الدماء، بما في ذلك لاعبو المباريات من نخبة بني هاشم الذين يعتقدون أنهم سيعيدون صياغة مصالحهم على جثث التوحش الحوثي ومن معه، دون إدراك التعقيدات المشهد وتطوراتها وبروز غضب شعبي ينتظر ساعة الصفر ليعبر عن غضبه!
والخلاصة وقعت الهاشمية اليمنية بكافة تكويناتها في لعبة مباريات خبيثة وفي تناقضات من صناعتها وصناعة غيرها من قوى داخلية وخارجية وهذا جعلها أداة موظفة في صراعات الداخل والإقليم، وجعلها تفترس اليمن كوحش متهور وتفترس نفسها كأحمق، والخيار الأسلم لها أن تراهن على التحالف العربي فهو من يمتلك المفاتيح النقية والصادقة لإنقاذها من معضلة قاتلة!
 

نجيب غلاب        2015-12-23 1:22 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات           |   0 عدد التعليقات :

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال