الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 

الغيرة على التراث

حتى الآن كان النقاش عن أثر الغيرة على العلاقة مع الآخر. الغيرة عادة ما يتم نقاشها على مستوى العلاقات المباشرة الفردية التي تجمع على سبيل المثال العاشق الغيور مع معشوقته ومع الطرف الثالث مثير الغيرة. لكننا في هذه المقالات نحاول نقل نقاش الغيرة وعلاقتها بالآخر إلى مستوى أوسع في المجال العام. هنا نحن أمام تعبيرات مثل "الغيرة الثقافية"، و"الغيرة على الثقافة". تحدثنا سابقا عن كون الغيرة طاقة سلبية عن الآخر إذا لم يتم مراقبتها بمنطق العدالة فإنها ستتحول إلى طاقة تدمير للذات والآخر في ذات الوقت. لاحظنا كذلك ارتباط الغيرة والعنف على من نغار عليهم في كثير من الحالات. استخدمنا أطروحة إسبينوزا لملاحظة كيف تدفع الغيرة الإنسان باتجاهين متناقضين تجاه من يحب: أولا الشعور بالمحبة تجاه من نغار عليهم، وثانيا الشعور بكره من نغار عليهم لأننا نعتقد أنهم لم يعودوا يعطوننا العلاقة الاستثنائية معهم. مع تصاعد مشاعر الغيرة تتحول طاقة المحبة إلى دافع قوي جدا للعنف تجاه من نغار عليهم. هذا واضح في سير قادة سياسيين وحركات سياسية جمعت درجات عالية من العنف تجاه ذات الناس الذين رفعت الشعارات كثيرا للدفاع عنهم.
اليوم نقاشنا متجه لتحليل وفهم العلاقة التي تنشأ بين الفرد والتاريخ الذي ينتمي له انطلاقا من منظور الغيرة على هذا التراث. لا بد هنا أن نستعيد الآخر كجزء أساسي من علاقة الغيرة. هنا تصبح الصورة عن التاريخ معروضا للآخر. أو كيف نعرض تاريخنا للآخر. في أي اتجاه تدفعنا الغيرة الثقافية تجاه قراءتنا للتاريخ. واحد من الاتجاهات المتوقعة جدا هو أن نتحكم في صورة التراث التي نعرضها للآخر. هذا التحكم يعني أن ننتقي بدقة ما نعرضه وما لا نعرضه، بمعنى أن يكون تعاملنا مع ما نعلم أنه حقائق تاريخية خاضع لحساباتنا مع الآخر. أحد الأصدقاء عاتب بعض الكتاب بأنهم لا يحملون غيرة على ثقافتنا وتاريخنا باعتبار أنهم يخرجون للعلن سلبيات الجماعة التاريخية. باعتبار أننا في صراع مع الآخر فإننا لا يجب أن نخرج من تراثنا ما يمكن أن يعطي الآخر مزيدا من المعلومات التي يمكن أن يستعملها ضدنا. الغيرة هنا خلقت أجواء حربية مع الآخر ونظرة انتقائية للتاريخ. نلاحظ هنا أنه تحت شعور الغيرة على الثقافة والتاريخ نشأت لنا علاقة أبوية مع الذات، مع الجماعة التي يفترض أن ننتمي لها. هذه العلاقة تأخذ هذه الصيغة: يجب أن لا نطلع أفراد جماعتنا على كل تفاصيل تراثنا لأن الآخر قد يستغل هذه المعلومات. العلاقة الأبوية هنا تعني أن هؤلاء الناس الذين يدعي الغيران الدفاع عنهم ومحبتهم تحجب عنهم الحقيقة وتنظر لهم كأتباع يحتاجون إلى قيادة وتوجيه ذاتي. هذا الحجب عنف معرفي هائل لأنه يتناقض مع حق الفرد في الوصول للمعلومات. هنا نواجه تشابها في النظر بين الدكتاتور والمثقف: الدكتاتور يعتقد أنه أب للشعب وأن له الحق في إدارته لمصلحته حتى لو لم يروا هم هذه المصلحة. المثقف الغيران كذلك يتعامل مع القراء على أساس أنهم قصّر يجب أن يحجب عنهم بعض الحقائق التي يعلمها علم اليقين.
قبل سنوات عرفنا في السعودية كيف كان كثير من رجال الدين يحجبون عن الناس معلومات عن خلافات الفقهاء حول عدد من القضايا الجدلية. حجبوا عنهم هذه المعلومات لأنهم لا يثقون في أتباعهم "الغيرة تعمل ضد الثقة"، ولأنهم يخشون من استقلال أتباعهم عنهم لو وصلوا مباشرة لتلك المعلومات "الغيرة طاقة للسيطرة". منطق هذا الفقيه الذي يحجب الخلاف الفقهي عن الناس شبيه بموقف المثقف الذي يحاول حجب المعلومات التاريخية خشية استغلال الآخر لها. العنف هنا يتوجه للذات التي يتم حرمانها من الاطلاع على الواقع بكل تفاصيله وتفضيل العيش في الأوهام. لا بد هنا من التذكير بأن كثيرا من الأطروحات الفكرية الغارقة في الصراع مع الآخر تنظر لأفراد الجماعة على أنهم بطبيعتهم غير أكفاء لقيادة أنفسهم ولا بد من قيادتهم من حرّاس الجماعة.
الغيرة على التاريخ والجماعة بهذا الشكل تتحرك باتجاه معاكس لمحاولات الإصلاح والتغيير. بمعنى أن الغيرة تعيق الخطوة الأولى من الإصلاح وهي عملية التشخيص الدقيق للواقع الذي يعني الكشف لكل أوجه هذا التراث، وتحديدا الوجه البشع، باعتبار أنه لب المشكلة والإعاقة. الغيرة على الثقافة تعيق تشخيصها لأن حجب ما لا يعجبنا يعني أننا لا نواجه الحقيقة ولا الواقع بقدر ما نهرب منها مدفوعين بحمى الصراع مع الآخر. لأن الغيرة تحجب التفكير المتوازن فإن الغيران على التاريخ يعتقد أن حجب المعلومات التي لا تعجبنا سيجعلها تختفي وسيجعلنا أقوى. مثل المريض الذي يعتقد أن إخفاء مرضه سيتكفل بتجاوزه. النتيجة المتوقعة بالتأكيد أن الجانب البشع من التاريخ يقوى وينتشر أكثر حين نبعده عن ضوء النقد والمراجعة، خصوصا في سياقات ثقافية لا تزال تعيش على قدسية الماضي وأنه القائد المفترض لحركة التاريخ. وجه آخر لكارثية منطق الغيرة على الثقافة يظهر حين يمتد هذا المنطق للمؤسسات الأكاديمية ومراكز البحث. هذا المنطق سيحول هذه المؤسسات إلى آلات أيديولوجية لا تخدم المعرفة بقدر ما تخدم أهواء وهلوسات المشغولين بالغيرة على الثقافة من الآخر.
 

عبدالله المطيري        2015-12-23 1:22 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 1 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • يبدو أن كاتبنا الغيور يريد أن يأخذنا الي قناعة معينه ولكن سياقات المقال وكثرة الأفكار التي تدور في ذهنه جعلته يناور من عنوان لآخر دون الوصول لفكرة محدده.حيث تم تناول التاريخ والدين والموروث والثقافه والجماعه والآخر والمثقف والديكتاتور.وكأنه يوحي لنا بأن الغيره مانعة للحركة في أي اتجاه.مع ان الغيره من الايمان. سعيد يوسف

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

 جرافيك الوطن Instagram Facebook Twitter الوطن ديجيتال