الدخول والأرشيف نسخة الجوال
 
آخر تحديث: الجمعة 19 ديسمبر 2014, 11:20 ص

حلم الدولة العربية الحديثة

يكرس تصادم الخطاب السياسي والخطاب الديني الحزبيين؛ تأصيل الارتباك الفكري في عمق وعقلية الشارع، ويبقيه موغلاً في حالة التشتت، ليظل مفهوم الدولة غامضاً وعصياً على الفهم

يذكر ابن خلدون تصنيفاً لمفهوم الدول بقوله: "السياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع ‏المضار، والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة ‏إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن ‏صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به"‏.
وابن خلدون يقصد بـ(السياسي) نموذج الدولة المدنية إلى حد بعيد جداً، فيما يقصد بـ(الخلافة) أنموذج الدولة الإسلامية، التي ترفض الكهانة وترفع راية الشورى والعدل والمساواة كأبرز أسس الحكم، قال تعالى: (وشاورهم في الأمر)، و(إنما أمرهم شورى بينهم)، (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا)، وهذه المبادئ تعد من الركائز الرئيسية لمفهوم الدولة الإسلامية ومفهوم الدولة المدنية أيضاً.
الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يكن حاكماً، والقرآن الكريم في كل آياته لم يُشر إلى ذلك لا تلميحاً ولا تصريحاً، بل كان نبياً معلماً ومبشراً برسالة الدين وتعاليمه، ليؤسس من موقعه كرسول أمة الإسلام العظمى، وليس دولة الإسلام العظمى، فالرسل والأنبياء على امتداد التاريخ البشري لم يكونوا أصلاً طُلاب سلطة، وفي ذلك يقول الله تعالى: (ما كان لبشرٍ أن يؤتيه الله الكتاب والحكم والنبوة...) الآية، وأكد على ذلك رفض الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ لعرض المشركين عليه السلطة والملك (مقابل) تخليه عن الدعوة إلى الدين الجديد، ولكن بعد وفاته ـ صلى الله عليه وسلم ـ ظهرت الحاجة إلى تكوين نظام سياسي يرعى مصالح الناس، ويحمي المقدرات التي حققتها الدعوة الدينية، فكانت الملامح الأولى لنموذج الدولة الإسلامية في شكلها البسيط، التي رتب بعضها الخلفاء الراشدون، لتحقيق المثل الأخلاقية العليا، على الأسس الرئيسية للمتطلب الإنساني، والتي تضمنتها كل الرسالات السماوية، كالعدل والشورى والمساواة والحرية والأمن، وهي التي طالما بحث الإنسان عنها وعن ضمانات تطبيقها، ليكون الدين هو المظلة الكبرى لمفاهيمها، والباعث الأقوى لوجودها، وتبقى سلطة الدولة المتزنة بمختلف مسمياتها ضامناً تقريرياً مناسباً لاستمرارية فعالية تطبيق تلك الأسس والمثل الأخلاقية، والتأكيد على ضرورة الاستمرار في سن التشريعات والقوانين التنظيمية المتوائمة مع المتغيرات (الزمكانية).
السرد التاريخي السابق، هو توطئة لما يمكن له أن يسهم في تقريب وجهات النظر، فيما يتعلق بقضية تكوين الدولة المدنية الإسلامية الحديثة، فالمشهد العام للشارع العربي المشتت ذهنياً وفكرياً في الوقت الراهن، لا يعكس تفاؤلاً ولو صغيراً يبشر بقرب ولادة نموذج الدولة المدنية الحديثة في القريب، لكنه يوحي بطريقة ما إلى بدء عملية تشكل وتخلق خجولة، لما قد تكون مرحلة أولية على طريق بناء نسق فكري مختلف، يقلص من سطوة المألوف والمتداول حالياً، وهذه قيمة يجب عدم الاستهانة بها وبتحولاتها الساعية إلى ترجمة الأحلام الجماهيرية العريضة، التي ظلت حبيسة اللغة النظرية وأطروحاتها التائقة، ويبقى سلوك الجماهير العربية المأزومة، أشد العقبات في سلم معوقات تحقيق ذلك التحول، إذ يكرس تصادم الخطاب السياسي والخطاب الديني الحزبيين، تأصيل الارتباك الفكري في عمق وعقلية الشارع، ويبقيه موغلاً في حالة التشتت تلك، وليظل مفهوم الدولة غامضاً وعصياً على الفهم، الأمر الذي من شأنه إطالة أمد حلم المستقبل وعوالمه، وتعقيد عملية البحث عن بوابة الخروج من مأزق الخلط بين مفهومي الدولة المدنية والدولة الإسلامية، ومحاولة استيضاح الفوارق الجوهرية للمقصود بكل منها، لتقرير قبول أنموذجها من عدمه، أو البدء في تكوين مفهومنا الخاص للدولة، المتوافق مع مرجعيتنا الدينية وثقافتنا العربية ومتطلبات الحياة العصرية الحديثة، بدلاً من استمرار شن المعارك الخاسرة، وإلقاء التهم والتشكيك بنوايا وفكر كل فريق مؤيد أو معارض لفكرته المدافع عنها بضراوة.
لقد علقنا بين أوراق التنظير وحروف الجدل، وأصبحنا في مؤخرة الأمم لأن العقل لا يزال مغيباً عن الحضور.

صالح الديواني        2013-08-22 12:50 AM
التعليقات المنشورة لا تعبر عن رأي صحيفة الوطن وإنما تعبر عن رأي كاتبها

تعليقات         عرض  |   إخفاء 3 عدد التعليقات :

فرز حسب: الأحدث | الأقدم
  • كلام طيب يضل نظري خالد أبو محمد
  • والصدق نحن بحاجة ماسة إلى دولة عربية إسلامية لها قوتها لكن أعداء الأمة كثير من حولها أستاذ صالح وبعض أبناءها في أول صفوف الأعداء بكل أسف وماحدث للاخوان أكبر دليل متابع
  • صدقت الرسول صلى الله عليه وسلم لم يؤسس الدولة مثلما يعتقد الكثيرين ..مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَٰكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عليما عربي اصيل

ارسل تعليق

أوافق على شروط وأحكام الوطن.

حالة الطقس  جرافيك الوطن Facebook Twitter الوطن ديجيتال